كتّاب

الثلاثاء,17 يوليو, 2018
تونس وأمراض التربية والتعليم

اختُتمت السنة الدراسية في تونس، قبل أيام، وبدأت الاستعدادات للموسم الدراسي المقبل، وباحت الامتحانات الوطنية بكل نتائجها، ولم يكن الحصاد وفيرا، بل كان على خلاف ذلك “دون المأمول”، بحسب العبارة التي اختارها أحد كبار المسؤولين عن الامتحانات في وزارة التربية، في معرض وصفه هذه النتائج في ندوة صحفية. حرص الرجل على أن يلطّف عباراته، تجنبا لمزيد من التشاؤم.
ظلت المدرسة في تونس “مفخرة وطنية”، فهي التي عمّمت المعرفة، وكافحت بها الدولة الفتيّة آنذاك نسب الأميّة المرتفعة، حتى غدت في أقل من ثلاثة عقود من أدنى النسب في العالم العربي. وهي التي وحّدت المجتمع أيضا، وصهرت الهوية الوطنية، في مسارٍ لم يخلُ من المركزية والتعسّف أحيانا، في ظل مجتمع كان مثل بقية المجتمعات العربية انقسامياً. فعلى الرغم من التجانس الكبير، فإن البنيات التقليدية، كالعروش والقبائل والجهات، ظلت ممانعةً لمسار الإدماج الوطني. استطاعت المدرسة، في هذا السياق، أن تكون رافعة التحديث، فخلال أقل من عقدين، أفلحت في أن تغير من ملامح هذا المجتمع، وتنقله من ثقافةٍ إلى أخرى، كما كانت أيضا مصعدا أتاح لأوساط اجتماعية مهمّشة ومقصية منذ قرون، أن ترتقي لتشكل من خلال “القلميين” (أصحاب القلم) فئات البورجوازية الصغرى الأولى التي عرفتها التشكيلات الطبقية الجديدة بعد الاستقلال، أي صغار الموظفين والأطر (الكوادر) الوسطى التي شكلت نواة الإدارة التونسية.
“الفوضى في ممارسة مهمة الإصلاح التربوي هي من جنس انتحال العرّاف معالجة المرضى”
كانت مختلف الشهادات العلمية ذات سمعة جيدة، تتيح لحامليها العمل في سوق الشغل الوطني، أو مواصلة التعليم في مراحل عليا في الخارج، كما كانت بلدان عربية، وحتى أوروبية، عديدة، تجد في هؤلاء كفاءات تندبهم في قطاعات مختلفة، الصحة والتعليم والمالية والسياحية مثلا. كان هذا هو العصر الذهبي للمدرسة التونسية، ولكن منذ تسعينيات القرن الماضي بدأ تراجع هذه الصورة، ودخلت المدرسة نفقا لم تخرج منه بعد، على الرغم من مختلف الإصلاحات التي أخفقت جميعها في تدارك الأمر، بل قد تكون ضاعفت الأزمة؛ إذ لا يستبعد أن يكون التشخيص في الأصل خاطئا.
تمنح النتائج المقدمة هذه السنة فكرةً عما أصاب المدرسة التونسية، فنسب الناجحين بعلامة متوسط كانت في حدود 80% في مختلف الشعب الأدبية والعلمية والتقنية مثلا. ولم تكن نسب علامات التميز إلا في حدود 4%. إضافة إلى عزوف التلاميذ عن اجتياز الامتحانات الوطنية (الانتقال إلى المدارس الإعدادية والانتقال إلى المدارس الثانوية) التي تظل اختيارية ولا تمنح للمجتازين منهم إلا حق الالتحاق بالمدارس النموذجية (مدارس النخبة)، إذ تحصّلوا على علامات ممتازة، فمن جملة 126 ألف تلميذ مثلا مسجل في السنة التاسعة، خضع 26 ألف تلميذ فقط للتقييم، أي بنسبة تقل عن الخمس. وأن نسبة تتراوح ما بين 55% و60% من هؤلاء تتحصل سنويا، خلال تلك الاختبارات، على عدد أقل من عشرة في المواد الأساسية، على غرار الرياضيات والعربية والعلوم.
وأخيرا، فإن امتحان السيزيام (الالتحاق بالمدارس الإعدادية النموذجية بعد ست سنوات من التعليم الابتدائي) قد سجل عزوف أكثر من مائة ألف تلميذ، وأنه من جملة 3150 مقعدا مخصصا لإعدادية النخب، لم ينجح سوى 1364 فحسب، لأن علامات البقية كانت دون 15 من عشرين.
وبقطع النظر عن الموقف من تجربة مدارس النخب، وما إذا كانت تنسف الحق في جودة التعليم، وضرورة تعميمه، فإن هذه المعطيات يمكن أن تصلح لنا دليلا في استخلاص جملة من النتائج، لعل أهمها أن ثقافة التميز لم تعد جاذبةً للعائلات أو التلاميذ، وأن الغالبية العظمى من هؤلاء لا يجتازون أي تقييم وطني في العتبات المهمة (المراحل) التي يفترض أن تكون تقييما حقيقيا للمكتسبات. يكتفي التلميذ التونسي بعلامات الحد الأدنى التي تضمن له الارتقاء. لقد أكدت الاختبارات الدولية، في أكثر من مناسبة، تراجع تملك تلاميذ المدرسة التونسية الضروري من الكفاءات العلمية واللغوية.
“حتى تستعيد المدرسة التونسية بريقها، لا بد من البدء بهذه الخطوة الضرورية، إصلاح بيداغوجي حقيقي لا يستثني أحدا”
تمثل هذه النتائج كارثة في دولةٍ قامت على الرأسمال البشري، في ظل شحّ الموارد الطبيعية. كان الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة يفاخر العديد من جواره بأنه راهن على “المادة الشخماء” (الدماغ)، كما كان يردّد دوما في خطبه، فالعقل النقدي الذي تربيه المدرسة هو الذي سيجعل هذا الشعب مبدعا ومبتكرا، كما كان يعتقد. ولكن، لا شيء حاليا يبدو مثيرا للقلق، في ظل تجاذبات سياسية مزمنة، واحتجاجات نقابية لا تهدأ، وفي مقدمتها نقابات التربية والتعليم.
ففي نطاق سياسة إرضاء الاتحاد العام التونسي للشغل (المنظمة النقابية الصلبة والعتيدة)، ستدعو الوزارة الأخير، رفقة المعهد العربي لحقوق الإنسان، إلى استئناف الإصلاح الوطني لمنظومة التعليم، في الأسابيع المقبلة، بعد أن تعطل الأمر منذ إقالة الوزير الأسبق للتربية، ناجي جلول، تحت ضغط النقابات. الوصفة جاهزة عند “ترويكا الإصلاح”: قليلا من بهارات المواطنة الكونية على هوية عربية إسلامية على حوار حضارات وكثير من الرقص والتعبير الجسماني” ….
لا يرى خبراء عديدون في الشأن التربوي أن الاتحاد العام التونسي للشغل والمعهد العربي لحقوق الإنسان مهيأين لمناقشة مسألة الإصلاح التربوي أصلا. وتعد مواصلة التعامل معهما في هذا الملف تكريسا لثقافة التحايل المنتشرة في تونس هذه الأيام. الفوضى في ممارسة مهمة الإصلاح التربوي هي من جنس انتحال العرّاف معالجة المرضى. الإصلاح البيداغوجي تحديدا، أي المحتوى والطرق والمناهج والضوارب والتعلمات هو مسألة خبراء ومختصين مرموقين، وليس نقابات أو معاهد حقوق الإنسان. حتى تستعيد المدرسة التونسية بريقها، لا بد من البدء بهذه الخطوة الضرورية، إصلاح بيداغوجي حقيقي لا يستثني أحدا: مدرسين وطلابا وكل مهن التربية. هذا حد أدنى فحسب، لأن الملف أعقد بكثير مما نظن.

المهدي مبروك (العربي الجديد)