كتّاب

الإثنين,31 يوليو, 2017
تونس: هكذا تجاوز الإسلاميون الاختبار بنجاح

عندما أحيل مشروع القانون الخاص بالقضاء على العنف ضد المرأة على البرلمان، التفت الكثيرون نحو حركة النهضة باعتبار أن الإسلاميين هم المتهمين بالوقوف دائما ضد تمتع النساء بجميع حقوقهن. لكن اختلف الأمر هذه المرة.

تجدر الإشارة إلى أن جزء هاما من الأوساط الدنية المحافظة توجست ولا تزال من هذا القانون.والدليل على ذلك المؤتمر الصحفي الذي نظمته ثلاث جمعيات ذات طابع ديني، وهي “جمعية الأئمة من أجل الاعتدال ونبذ التطرف “، وجمعية “هيئة مشايخ تونس” والمجلس النقابي الوطني للأئمة وإطارات المساجد “.  وقد عبرت هذه الجمعيات عن اعتراضها الصريح على جوانب من فصول القانون، وخاصة استعمال مصطلح ” النوع الاجتماعي ” بحجة كونه مصطلح “ذو جذور غربية، وفلسفة إلحادية لا علاقة لها بالإسلام، والكلام الذي يصرح أنه لا فرق بين المرأة والرجل، لأنّ الفروق المزعومة صنيعة المجتمعات، ولذلك هذا الأمر يمثل خطرا بالنسبة لهويتنا الإسلامية “، والكلام منسوب إلى رئيس “هيئة مشايخ تونس”.

بعيدا عن أي شكل من أشكال المزايدة أو المناورة، يجب الإقرار بأن مصطلح ” النوع الاجتماعي ” يحمل الكثير من الغموض، ويفتح المجال لمختلف أنواع التأويل. ولم يضعه خبراء الأمم المتحدة من فراغ، وإنما الذين نحتوه وفرضوه على المعجم القانوني الدولي لهم ولهن مواقف من مسائل عديدة لها صلة بمسائل دينية وأخلاقية عديدة. ولهذا السبب، عندما طرح الموضوع للنقاش تحت سقف البرلمان، اعترض البعض على إبقائه في نص القانون، وتم الإجماع على التخلي عنه واستبداله بجملة واضحة تؤدي المعنى والغرض وهي ” التمييز على أساس الجنس “. وبذلك تحققت النتيجة دون اللجوء إلى خوض معركة من أجل مصطلح لن يؤدي إلا إلى مزيد الانقسام والتقاتل، حتى لو كان هذا المصطلح قد أصبح شائعا في الأدبيات الدولية خلال السنوات الأخيرة. لكن مع ذلك فإن الكثير مما قيل في نقد هذا المصطلح من قبل الأوساط المحافظة سواء أكانت إسلامية أو من أديان أخرى قابل للنقاش، لأنه في أحيان كثيرة يحتوي على مضامين تميز بين الرجال والنساء على أساس الجنس، وتضرب فكرة المساواة بشكل مباشر.

عندما نعود إلى الفصل الأول من مشروع القانون نراه قد لخص الهدف منه وهو “وضع التدابير الكفيلة بالقضاء على كل أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي من أجل تحقيق المساواة واحترام الكرامة الإنسانية، وذلك بإتباع مقاربة شاملة تقوم على التصدي لمختلف أشكاله بالوقاية وتتبع مرتكبيه ومعاقبتهم وحماية الضحايا ومساعدتهم”.

يعتبر العنف المسلط على النساء ظاهرة عالمية وتونسية في الآن نفسه. فالديوان الوطني للأسرة يؤكد في إحدى وثائقه على أن 50 بالمائة من التونسيات يتعرضن للعنف، وخاصة العنف الأسري. ونظرا لخطورة الظاهرة فقد وضعتها الحركة النسائية التونسية في مقدمة اهتماماتها. ولهذا جاء مشروع القانون ليشدد العقوبة التي يمكن أن تسلط على الفاعل لتبلغ عشرين عاما سجنا لكل ” مرتكب الضرب أو الجرح الواقع عمدا دون قصد القتل والذي نتج عنه الموت. ويكون العقاب بالسجن بقية العمر: إذا كانت الضحية أطفال، وإذا كان الفاعل من أصول أو فروع الضحية من أي طبقة أو كانت له سلطة عليها أو استغل نفوذ وظيفته “. وحتى إذا كان الفاعل ” أحد الزوجين أو أحد المفارقين أو أحد الخطيبين أو أحد الخطيبين السابقين “. ويلاحظ هنا أن النقاش بين النواب والكتل البرلمانية أدى إلى تفضيل استعمال كلمة أحد الزوجين لأن العنف يمكن أن يسلط أيضا على الزوج من قبل بعض الزوجات العنيفات.
رغم أن كتلة النهضة ليس متجانسة بين مكوناتها، إذ هناك من نوابها من كان ضد المشروع، واعتبره خطيرا على المجتمع وعلى الهوية الإسلامية، لكن عوامل عديدة قد ساعدت على توحيد الموقف والتصويت بشكل كامل لصالح المشروع.

من هذه العوامل التي يسرت ذلك المخاض الفكري والسياسي الذي مرت به الحركة ولا تزال طيلة السنوات الماضية، والذي ساهم تدريجيا في تعزيز صفوف التيار الإصلاحي داخلها. كذلك الضغط الذي مارسته بقية مكونات النخبة داخل البرلمان وفي أوساط المجتمع المدني. إضافة إلى الضغط المعنوي الذي مارسه رئيس الحركة راشد الغنوشي الذي دافع عن المشروع منذ بدايته، ولم يتردد مثلما فعل عند صياغة الدستور خلال فترة حكم الترويكا. لقد كان هذه المرة واضحا وحاسما، وبذلك فوتت حركة النهضة على خصومها فرصة الهجوم عليها في ظرف دقيق تتهيأ فيها مختلف القوى السياسية لخوض الانتخابات البلدية.

لقد نجحت النخبة التونسية مرة أخرى في تجاوز خلافاتها الأيديولوجية والسياسية، ورسخت بذلك قيمة التوافق، وهو ما جعل كثيرا من الحكومات الغربية ترحب بالإجماع الذي حصل حول هذا القانون، وتعتبره أحد 19 عشر قانونا الأفضل في العالم في توفير الضمانات لمواجهة ظاهرة العنف ضد النساء.