الرئيسية الأولى

الجمعة,6 مايو, 2016
تونس… كلفة الإرهاب الباهظة

الشاهد _ شهدت تونس بعد الثورة عمليّات إرهابيّة غادرة، انتقلت سريعاً من استهداف القوّات الأمنيّة والعسكريّة في الجبال، لتستهدف المؤسّسات السياسيّة والمناطق السياحيّة في المدن، على نحو ساهم في إشاعة الإحساس بالخوف واللايقين في صفوف التونسيّين والأجانب، وأربك المسار الانتقالي في البلاد عموماً، وعطّل جهود الإقلاع الاقتصادي خصوصاً. فقد أثرت الهجمات الإرهابيّة الدّامية على مناخ المال والأعمال، واستنزفت ميزانيّة الدولة، وأرهقت المقدرة الشرائيّة للمواطن. وبلغة الأرقام، تفيد دراسة صادرة عن المعهد العربي لرؤساء المؤسّسات سنة 2015 بأنّ تونس تكبّدت خسائر تقدّر بـ 1125 مليون دينار جرّاء العمليات الإرهابيّة، أي ما يعادل 8.1%من الناتج المحلّي الإجمالي.

وورد، في المصدر نفسه، أنّ خسائر القطاع الخاص بلغت 225 مليون دينار. وشهد القطاع السياحي خصوصاً تراجعاً فادحاً في العائدات بلغ نحو 40% سنة 2015، بانخفاض بلغت قيمته 155 مليون دينار، مقارنة بسنة 2014، أي بما يوازي 0.2%من الناتج المحلي الإجمالي. وذلك نتيجة تراجع عدد السياح صيف 2015 بنسبة 70% مقارنة بالعام الذي سبقه. كما تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر بحوالي 7%مع نهاية عام 2014، بحسب تصريح رئيس الحكومة، الحبيب الصيد. وأدّى ذلك إلى انحدار نسبة النمو إلى أدنى مستوياتها، حتّى أنّها لم تتجاوز خلال العام المنقضي نسبة 1%، بحسب تقديرات المعهد الوطني للإحصاء. كما حافظ الميزان التجاري على حالة عجز بنسبة 32%. وفي المقابل، ارتفع الدّين الخارجي لتونس إلى 30 ألف مليون دينار، وهو ما يستنزف 52%من الناتج المحلّي الخام.
وأمام وعي النظام الحاكم بمخاطر تصاعد الهجمات الإرهابيّة على البلاد والعباد، أعلنت الحكومة ورئاسة الجمهوريّة حرْباً مفتوحة على الجماعات المسلّحة. ومع أهميّة هذا التوجه في تحقيق مطلب الاستقرار الأمني والسلم الاجتماعي، فإنّه أدّى عمليّاً إلى استنزاف ميزانيّة الدولة، وإثقال كاهل المواطن بالضرائب، بسبب التّوجه الحكومي نحو تعبئة موارد إضافيّة مستعجلة، واعتمادات ماليّة ضخمة لمكافحة الإرهاب. وانعكس ذلك سلباً على مشاريع التنمية الجهوية، ومخطّطات النهوض بمناطق الظلّ وتشغيل الشباب، إذ تم توجيه مصاريف التنمية، والأموال المخصّصة لتحسين الوضع المعيشي، والتعليمي والصّحي للناس إلى الإنفاق على التسلّح، والزيادة في أجور القوّات الأمنية والعسكريّة، مع حجب الانتداب في الوظيفة العموميّة، والاقتصار على انتدابات جديدة صلب القوّات المسلحة.

وهو ما سينجم عنه تزايد عدد العاطلين عن العمل، ويُؤذن بتصاعد وتيرة الاحتقان الاجتماعي والحراك الاحتجاجي على سياسات الدّولة. والناظر في تقارير صادرة عن وزارة الماليّة التونسية يتبيّن تضاعف الميزانيّة المخصّصة لوزارة الدّاخلية من 1400 مليون دينار سنة 2011 إلى 2896 مليون دينار سنة 2016 وهو ما يمثل11%الميزانيّة العامّة.

فيما ارتفعت الأموال المرصودة لوزارة الدفاع من 828 مليون دينار سنة 2011 إلى 2294.824 مليون دينار سنة 2016، وهو ما يمثل 9% من ميزانيّة الدولة. ومن ثمّة، يستأثر الإنفاق الإجمالي في القطاعين الأمني والعسكري بنسبة 20% من ميزانيّة الجمهوريّة التونسيّة سنة 2016.

ويفترض أن تتجه النفقات نحو إعادة تأهيل القوّات المسلّحة التونسيّة، وهيكلتها وتطويرها عددًا وعدة، لتعزيز قدرتها على التصدّي للهجمات المباغتة وتأمين الحدود بشكل محكم، والقيام بعمليّات استباقية ضدّ الجماعات الإرهابيّة والخلايا النّائمة. كما يفترض أن تصرف الأموال على إعادة بناء العقل الأمني، وتأهيل الشرطة والحرس، لتمثل ماهية الأمن الجمهوري وأدبيات التعامل الحضاري مع المواطن.

ومع أهميّة هذا التوجه الذي يجعل من تطوير مؤسّسة القوّات المسلحة التونسيّة وتحديثها وعصرنتها أولويّة قصوى، فإنّه يُغمط، إلى حدّ ما، حق التونسيّين في نسق تنموي أفضل، ومستوى معيشي أحسن، ذلك أنّ تعزيز الإنفاق الأمني والعسكري يؤدّي إلى تراجع نسبة دعم الدّولة المواد الاستهلاكية الأساسيّة، ويُلزم البلاد بسياسة تقشّف ضاغطة على المواطن الذي سيجد نفسه مكلّفا بدفع فاتورة الإرهاب من جيبه بسبب ارتفاع الأسعار، وتزايد الضرائب. وفي المقابل، المصاريف المخصّصة للتعليم، والتشغيل والنهوض بالمنظومة الصحيّة محدودة، حتى أنّ ميزانيّة وزارة التكوين المهني والتشغيل لم تتعدّ 659 مليون دولار سنة 2016. فيما لم تتجاوز النفقات المرصودة للتنمية في وزارة الشؤون الاجتماعيّة حدود 881.321 مليون دينار، وهو ما يُخبر بإمكان تجاوز نسبة البطالة السقف الحالي المقدّر بـ 15.2%، وما يُنبِئ بأنّ مشروع النهوض بالمناطق الدّاخليّة والطرفيّة مازال بعيدًا، وأنّ تحقيق الإقلاع الاقتصادي مازال عزيزا.

ثار التونسيّون من أجل تحقيق تنمية عادلة، وللعيش في رفاه وكرامة، وبهدف التحرّر من إسار البطالة والخصاصَة، والتهميش، وأحرَى بالنظام الحاكم أن يوازن بين مطلب إقامة منظومة عسكريّة/ أمنية متطوّرة وحقّ المواطنين في تنمية شاملة، وحياة كريمة، وذلك ممكن بمحاربة الفساد المالي والإداري، وتنويع مصادر الإنتاج، والإعلاء من قيمة العمل، والحدّ من البيروقراطيّة، والتوجه نحو معالجة شاملة لمعضلة الإرهاب، قوامها الوعي بالأسباب الثقافيّة والاقتصادية والاجتماعيّة المنتجة للتطرّف، مع عدم الاقتصار على المعالجة الأمنية في هذا الخصوص، وإلا فإنّ البلاد على شفير مواسم احتجاجيّة قادمة.

انور الجمعاوي – العربي الجديد