تحاليل سياسية

الخميس,26 ديسمبر, 2019
تونس.. الاستثناء الديمقراطي العاجز عن تشكيل حكومة!

اتفقت أحزاب النهضة والتيار الديمقراطي وتحيا تونس وحركة الشعب على ألا تتفق، رغم ماراطون المفاوضات بين هذه الأطراف واقترابها من الاتفاق وفشلت مبادرة رئيس الجمهورية قيس سعيد حين جمعها على طاولة واحدة بعد انتهاء الحديث بينها لتنتهي بذلك مرحلة التفاوض حول حكومة تضم كفاءات سياسية ويمر رئيس الحكومة  المكلف الحبيب الجملي للسرعة القصوى ويهرب إلى الأمام بإعلان عزمه تشكيل حكومة كفاءات مستقلة.

 جعلت هذه المعطيات الرؤية واضحة- بعد أن كانت شبه ضبابية-  عن وجود تصدع قوي يشقّ الساحة الحزبية وأزمة ثقة حادّة انتهى معها كليا ذاك الود المتبادل على مضض والجلوس المشترك على طاولة واحدة وتكتمل ملامح أزمة سياسية راهنة تسود معها مرحلة ترقّب وشك قديمة متجددة من غالبية المواطنين تجاه الطبقة الحزبية والسياسية برمّتها رغم مناخ التفاؤل الإيجابي الحذر ما بعد الانتخابات.

رسّخت الانتخابات التونسية في ذهنيتنا وذهنية الشعوب العربية عن تونس أننا استثناء ديمقراطي في المنطقة العربية المكتظة بالدكتاتوريات والممزقة بالصراعات والمفتتة بالانقسامات وللأمانة فإن تونس كذلك بدون شك ولكن اللافت أن الطبقة السياسية المفاوضة والمعنية بتشكيل الحكومة لم تكن في حجم ذلك الاستثناء فالحديث اليوم أصبح عن عجز تونس بأحزابها ونخبها وسياسييها ومثقفيها عن تشكيل حكومة لنمرّ من الاستثناء في الانتخاب إلى الاستثناء العاجز عن استيعاب تناقضاته واختلافاته ومرجعياته الأيديولوجية والفكرية التي أفرزتها صناديق الاقتراع ودمجها  لتتشكل برامج اقتصادية وسياسية في وثيقة حكومية ثم يتم اختيار فريق حكومي لتنفيذها وفق ما يستجيب لانتظارات المستقبل التي عبّر عنها قطاع واسع من التونسيين حين زحف لمكاتب الاقتراع.

 لقد خلّفت المشاورات الماراطونية وحالات الشد والجذب بين الأحزاب السياسية وطول التفاوض المباشر وبالوساطة أو بالوكالة حالة ريبة داخليا وخارجيا فعموم الشارع التونسي – وبملاحظة بسيطة لا تكلف كثيرا من العناء – غاضب من النتيجة السلبية لتلك المفاوضات العسيرة التي فاقمت صعوبتها قلة حيلة رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي ونسق عمله الفضفاض والبطيء منذ بداية مهمته التي وضعت أمامها كل الأحزاب المعنية أي النهضة والتيار وحركتا الشعب وتحيا تونس وائتلاف الكرامة خطوط حمراء ومختلفة ألوانها ما جعل الرجل يتخبط في مربع ضيّق من الشروط المجحفة والمناورات الجانبية من هذه الأحزاب والالتفافات الغير مفهومة في أخر لحظة من حزب التيار وحركة الشعب بعد الاستجابة لشروطهم.

 هذه الأزمة جعلت تونس مباشرة في الواجهة مع صندوق النقد الدولي الذي أوقف صرف أكثر من مليار دولار قيمة القسطين السادس والسابع من القرض المقدم للبلاد كأنه يدق بذلك جرس الإنذار لدى المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية حول عدم استقرار مناخ الاستثمار في تونس المتخبطة في مرحلة سياسية دقيقة لتذهب بذلك أجواء التفاؤل والإيجابية حول الوجهة الاستثمارية التونسية أدراج الرياح ولو لفترة مؤقتة على الأقل.

لم يكن من المفاجئ لدى المتابع الحصيف للساحة السياسية أن تكون عملية تشكيل الحكومة عسيرة جدا ولم يكن مستغربا أن تتردى البلاد في أزمة تكوين حكومة قوية ومتجانسة وظهرت كل الدلالات على ذلك قبل تكليف الجملي وبعده، فحزبا التيار وحركة الشعب انسحبا من المشاورات منذ 6 ديسمبر ومع ذلك لم يتحرك رئيس الجمهورية قيس سعيد ليجمع الفرقاء على كلمة سواء مثلما طلب منهم في لقاء 23 ديسمبر الذي يمكن القول أنه تأخر وكان ذلك سبب فشله في تقريب وجهات النظر وتعديل أوتار التفاوض التي كان من المفترض أن تقوم بها مؤسسة طيلة مسار المفاوضات المتقلبة.

إعلان رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي لخطته البديلة والأخيرة وهي تشكيل حكومة كفاءات يمكن اعتبارها قفزة نحو المجهول فهذا الأمر يواجه رهانات رئيسية لا تتضح خطته لتجاوزها، أهمها اختيار فريق حكومي يحظى بثقة الأحزاب التي ستعده بالتصويت له في البرلمان ثم اقناع من سيدعمه ببرنامجه وخطواته التنفيذية مع مراعاة متطلبات هدنة اجتماعية ومقتضيات انطلاقة اقتصادية تجديدية على كل المستويات وهي مسائل متشعبة خلافية في مناخ سياسي يسوده التوتر والتنافر بين أحزاب سياسية اتفقت على أن لا تتفق ولم تقرأ رسائل الناخب التونسي الذي صوّت في الرئاسية على شخصية سياسية من خارجها وعزف 60 % منه عن الذهاب للانتخاب في التشريعية.

حين شعر الكاتب الفلسطيني الرائع محمود درويش بالإحباط من الطبقة السياسية الفلسطينية والخلافات التي تشقها أبدع بالقول شعرا “هل كان علينا أن نسقط من عُلُوّ شاهق (…) كم كَذَبنا حين قلنا: نحن استثناء! “، وهو ما ينطبق على ما يبدو على الوضع التونسي الحالي  في ظل الأزمة السياسية الراهنة في دولة باتت تعرف “بالاستثناء الديمقراطي العربي” أو هكذا يقال!

كريم البوعلي