أهم المقالات في الشاهد

السبت,28 مايو, 2016
“تشيما”…”محمد بوعزيزي” اسبانيا يخطط لربيع “الغاضبين” في بلاده على طريقته

الشاهد_مع صباح كل يوم، يرفع الإسباني، “تشيما فاندينيو” لافتة على محل الخضراوات والفواكة الذي يديره مع آخرين، تحمل عبارة بالإسبانية، تشير إلى الترحيب بالزبائن المميزين الذين يحبون تبادل الآراء في السياسة خلال تحضير طلباتهم.

 

“تشيما” (35عامًا) هو ناشط سياسي إضافة لكونه بائع خضراوات وفواكه في سوق سان فيرناندو، الواقع في حي “لابابييس” المعروف بأنه معقل المهاجرين العرب والأفارقة وسط العاصمة الإسبانية مدريد.

 

يبيع “تشيما” الخضراوات الطازجة غير الخاضعة لتحسينات وراثية، والتي تأتي مباشرة من الحقول، ويتحدث يوميًا مع زبنائه وجيران السوق، ويتبادل معهم الآراء حول واقع إسبانيا ومستقبلها السياسي وتأثيرات الأزمة الاقتصادية.

 

“تشيما” ليس بائع خضراوات بسيط فقط، كما يبدو للوهلة الأولى، ولكنه، حاصل على الماجستير في الإعلام، ومنتج أفلام وثائقية ويدير شركة إنتاج تلفزيوني أيضًا.

 

كما أنه أحد القادة المُنظرين لحركة “الغاضبون” الشهيرة في إسبانيا، والتي ولدت في 15 ماي 2011، من مظاهرة قام بها مواطنون معظمهم من الشباب، احتجاجًا على قضايا متفرقة منها البطالة التي تطال أكثر من 4 ملايين إسباني، ورفضًا للسياسيين المتهمين بـ “الفساد”، و”المصارف وتجاوزاتها الرأسمالية”.

 

الارتباط بالشارع، كانت فلسفة حركة “الغاضبون”، التي استوحاها “تشيما” ورفقاؤه من احتجاجات الربيع العربي، خاصة في تونس ومصر، وحشدوا الجماهير في ساحة بويرتا ديل سول (باب الشمس) المركزية في قلب مدريد، احتجاجًا على البطالة وابتعاد الطبقة الحاكمة عن الشارع الإسباني وعدم مشاركته همومه.

 

ويتشارك “تشيما” محل الخضراوات مع 3 فتيات كلهن من ناشطات حركة “الغاضبون”، وهن بالوما موهدانو (38 عامًا)، الحاصلة على شهادة الليسانس في اللغة، واستير فاندينيو (35 عامًا)، الحاصلة على، شهادة الماجستير في الجيولوجيا، وإيلينا هوردونييز (32 عامًا) الحاصلة على الليسانس في القانون، حيث حول هؤلاء الشباب محل الخضراوات البسيط إلى مركز للنقاش السياسي.

 

وفيما تنتظم الحياة السياسية في نجاحاتها وإحباطاتها لا يخلوا محل الخضراوت الذي يديره تشيما وشركائه من اجتماع لعناصر شابة تطمح للتغيير على الطريقة العربية لكن “بنكهة إسبانية” تأخذ بعين الاعتبار المناخ الديمقراطي.

 

ورغم الإنجازات الملموسة التي حققها الشباب، فإن أغلب قادة حركة “الغاضبون” يرون أن الضمان الحقيقي للتغيير هو الارتباط بالشارع، وخلق اقتصاد اجتماعي قادر على تفعيل قيم ديمقراطية حقيقية.

 

وإذا كان بائع الخضراوات محمد البوعزيزي، الذي فجر “ثورة الياسمين” في تونس نهاية 2010، أضرم النار في نفسه احتجاجًا على مصادرة السلطات البلدية لعربته وتعرضه للإهانة من قبل الشرطة، فإن “تشيما” الذي يعمل أيضًا بائع خضار في مدريد، لا يعتزم، على حد قوله، إضرام النار في نفسه بل في جمع “أرشيف كامل من الممارسة السياسية الخاطئة في إسبانيا والتي تراكمت لعشرات السنين”.

 

ورغم تأثر حركة التغيير في إسبانيا بالربيع العربي، لأسباب تاريخية وجغرافية، فإن “تشيما” يرى بعض الاختلاف عندما يقول: “لا يمكن أن ننكر تأثر حركة 15 ماي (الغاضبين) في إسبانيا بالربيع العربي، إلا أنني شخصيًا لست مستعدًا لإضرام النار في جسدي كما فعل البوعزيزي، بل سأواصل العمل مع آلاف الشباب الإسباني لتغيير الواقع وكسر النمط السياسي القديم”.

 

وبعد مرور 5 سنوات على تأسيسها، وفي إطار الاحتفالات بالذكرى الخامسة لحركة “الغاضبون”، يبدو “تشيما” الشاب بائع الخضراوت، أكثر المتفائلين بالتغيير في إسبانيا وأكثر حذرًا في ربط الربيع الإسباني بالربيع العربي، مؤكدًا في لقاء مع الأناضول أن “الاحتجاجات هنا تأخذ طابعًا أوروبيًا، فنحن نسعى لكسر النمط القديم ورفض سياسة السوق وخلق بدائل حقيقية”.

 

وأضاف “تشيما”: “الشباب الغاضبون حكموا مدريد وبرشلونه أكبر مدينتين في إسبانيا من حيث الرمزية السياسية والاقتصادية، عبر القاضي السابق السيدة مانويلا كارمينا (عمدة مدريد ماي 2014)، والناشطة اليسارية إيدا كولاو (عمدة برشلونة ماي 2014)، وهما سيدتان تحكمان بطرق جديدة ومبتكرة وجاءتا من القاع من حركة الغاضبين”.

 

وتابع: “حركة الغاضبين أصبحت حاضرة في البرلمان الإسباني عبر حزب بوديموس (انطلق من رحم الحركة في جانفي 2014)، الذي يمتلك 69 نائبًا برلمانيًا (حل ثالثًا في الانتخابات الأخيرة التي جرت نهاية العام الماضي)، والذي بات قوة سياسية لا يمكن تجاهلها في أي اتفاق سياسي، الأهم من كل ذلك هو القدرة على تحريك الشارع وكسر النمط السياسي الكلاسيكي”.

 

وعن آلية عمل الحركة، بيّن “تشيما”، أن “نظرة الغاضبين السياسة هي أن التغيير يبدأ من الأسفل وليس من الأعلى، ويعتمد على التشارك والفاعلية وتعدد الخيارات”.

 

ومضى قائلا “محل الخضراوات الذي نعمل فيه هو رمز لمحاربة سياسة السوق، والخضراوات التي نبيعها هي خضراوات غير معدلة وراثيًا وهذا يرمز للأصالة، إنه محل يخدمه عدة أشخاص وليس هناك إنهاك للعمالة في هذا المشروع الاقتصادي، فهو مملوك لأربعة أشخاص في رمز للتعايش والعدالة الحقيقية التي نتمناها لإسبانيا”.

 

من جانبه قال الكاتب والمفكر العراقي المقيم في إسبانيا، عبد الهادي سعدون، إنه “على العكس من آمال الشباب في الربيع العربي، فإن الحركة الجماهيرية (الغاضبون) في إسبانيا إن لم تحقق ضربة قوية وجذرية في سياسة البلد، فهي على الأقل قد غيرت من ذهنية الجماهير”.

 

وأضاف للأناضول، أن تلك الحركة أحيث الآمال “بإمكانية حدوث تغيير جذري مستقبلي من خلال دخول تيار سياسي جماهيري في الحياة السيايية الفعلية، عبر حزب بوديموس، وهو ما ضخ دماء جديدة قادرة على التغيير والتحول في المجتمع الإسباني الجدبد”.

 

فيما تريث المحلل السياسي الموريتاني الأمين خطاري، في اعتبار كل هذه النتائج، كانت نتيجة مباشرة لتحركات “الغاضبون”، وقال للأناضول: “تم التعامل بجدية مع مطالب الشباب، لذلك يجب أيضا الانتباه إلى نضج الطبقة السياسية”.

 

وأوضح للأناضول: “تفاعل الطبقة السياسية مع المطالب وتحقيقها لإصلاحات، كان يعني رغبة في الحوار وخوض السياسة بمفهوم المشاركة وهوما يحسب لأطراف مهمة في المشهد السياسي بما فيها اليمين واليسار الكلاسيكي”.

 

وفي رأي الصحفي والمحلل السياسي، نظمي يوسف، الرئيس السابق لرابطة الصحفيين والكتاب العرب في إسبانيا، أن: “حركة الغاضبين هي الثمرة الطيبة التي نضجت من شجرة الربيع العربي”.

 

وقال للأناضول: “لقد تجمعوا تحت راية العلم المصري وروح ميدان التحرير (وسط القاهرة)، والهتاف لإسقاط النظام”.

 

وأضاف أن “مؤسسات المجتمع المدني في إسبانيا هي التي تداعت ودعمت الشباب في مسعى البحث عن العدالة الاجتماعية، وقد تمكنوا من إعادة ترتيب وتنظيم الحياة السياسية بسبب تغوّل اليمين الإسباني ومؤسساته المالية وخصوصا البنوك وقوانينها التي جعلت نصف مليون عائلة بدون مسكن”.

 

وأشار إلى أن “احتجاجات الشباب هي التي أدت إلى تنازل الملك خوان كارلوس عن العرش”، في جوان 2014.

 

إدواردو نايف، الكاتب الإسباني من أصول سورية ومؤلف كتاب “سوريا والياسمين” الذي يتحدث عن الربيع العربي والثورة السورية، رأى أن “هناك خارطة سياسية جديدة ستظهر بعد 26 جوان المقبل، موعد الانتخابات العامة الإسبانية، وسيظهر جيل سياسي جديد ونظرة مختلفة للألفية الثالثة”.

 

وأضاف: “بدون شك كنت منذ البداية مع حركة التغيير في إسبانيا وكل الجهود التي بذلها الشباب الإسباني، وأصوت في الانتخابات لحزب بوديموس الذي انبثق عن حركة الغاضبين، لكن لا وجه للمقارنة بين ظروف النضال في إسبانيا والبلدان العربية، بين متظاهرين يواجهون بخراطيم المياه وآخرين يواجهون بالقذائف والصواريخ”.

 

وبالنسبة للرسام الفلسطيني المقيم في مدريد محمد الطيب، والذي واكب انبثاق حركة “الغاضبون” وتعاطف معها، فإن: “التغيير في إسبانيا تحقق، ولن تعود البلاد لما كانت عليه في 15 ماي 2011”.

 

وقال: “لقد امتدت شرايين الحركة في قاع المجتمع وأصبحت سلطة موجودة وقادرة على التحرك واحتلال الشوارع وتحقيق المطالب”.

 

وكان رئيس حكومة تسيير الأعمال اليميني، ماريانو راخوي، اعترف قبل أيام، بأن حزب “بوديموس” اليساري القادم من رحم حركة الغاضبين، بزعامة “بابلو أغليسياس”، يمكن أن يحقق المرتبة الثانية في الانتخابات المبكرة التي ستجري في 26 جوان عقب فشل الأحزاب الفائزة في الانتخابات الأخيرة في تشكيل حكومة ائتلافية.

 

تصريح راخوي، الذي جاء في لقاء مع وكالة “أوروبا برس” الإسبانية، يوم 22 ماي الجاري، يعد أول اعتراف حقيقي من أكبر قوة سياسية في البلاد المتمثلة في الحزب الشعبي اليميني الحاكم، بالحزب الجديد (بوديموس) الذي أفرزته حركة الغاضبون المستوحاة من الربيع العربي، والتي تنظم منذ أيام ندوات واحتفالات في كل أنحاء إسبانيا بمناسبة انطلاقها منذ 5 سنوات في ماي 2011.

 

ولم يتردد راخوي، في مطالبة خصومه اليساريين في حزب العمال الاشتراكي، رمز اليسار التقليدي في إسبانيا، بأن “يستيقظوا” حتى لا يأخذ الغاضبون مكانهم، فبالنسبة للحزبين الكبيرين فإن “هؤلاء يسعون لتهديد الوحدة الترابية عبر دعمهم لانفصال إقليم كاتالونيا وهو ما يعارض قرارات المحكمة الدستورية وتعليمات القصر الملكي الإسباني”.

 

وفي رأي بعض المراقبين، أن “غاضبون”، وانتقادها للفساد الذي طال بعض السياسيين، كان لها دور في تنحي الملك خوان كارلوس، والملكة صوفيا، في جوان 2014، بعد أن حكما إسبانيا 40 عامًا.

 

الأناضول