أخبــار محلية

الخميس,12 أكتوبر, 2017
بين التغيير الدوري للحكومات.. ونرجسية الحكّام… ضاعت استمرارية الدولة

منذ ست سنوات والشعب التونسي يتطلع الى تخطي مرحلة المؤقت، ويحلم برؤية تونس الجديدة التي رسمها في مخيلته منذ إسقاط النظام السابق، لكن شتان بين أحلام شعب يسعى الى رؤية نور حرمه منه نفق النظام السياسي السابق لعقود ومصالح سياسيين لا تتجاوز “كرسي”، بخطط ارتجالية، وأداء هزيل لنخب نرجسية وانتهازية.

ففي السنوات الست التي حاول فيها الشعب رمرمة وضعه الاجتماعي الذي أنهكه أداء القائمين على البلاد، حاولوا هم أو اختبروا ثماني حكومات، متعاقبة بمعدل أقل من سنة فترة حكم لكل واحدة، ما جعل جميعها غير قادرة على تفعيل إجراءات طالبهم بها عامة الشعب.

ولنرجسيتها اختارت كل حكومة مخطط غير جدي تزيّن به خطابها أثناء تسلم الحكم، ثم تضعه في رف قصر الحكومة مع باقي مخططات الحكومات التي سبقتها.

وكشاهد على ذلك يستند هذا الملف الى مثال حكومتي الحبيب الصيد ويوسف الشاهد كآخر حكومتين توليتا الحكم في مقارنة بين أداء كل واحدة والوقوف على مدى التزامهما بمبدأ استمرارية الدولة، في ظل تعاقب الحكومات.

الحكومتان وان تقاربتا في توجههما العام من حيث الاولويات الا أنها اختلفتا في بعض التفاصيل التي شتت أولويات كل واحدة، حيث اكتفى رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد في خطاب تسلمه مقاليد السلطة، أن حكومته ستعمل وفق خمس أولويات أساسية، تتمثل في كسب المعركة ضدّ الارهاب، والتصدّي للفساد، ورفع نسق النموّ، إلى جانب التحكم في الموازنات المالية، والعناية بالنظافة والبيئة.

في المقابل، شدد سلفه الحبيب الصيد بنفس المناسبة، على استكمال مقومات بسط الأمن ومقاومة الإرهاب مشيرا إلى أنه يتطلع الى الإسراع في المصادقة على القانون المتعلق بمقاومة الإرهاب في أقرب الاجال على حد قوله.

وأضاف الصيد أن حكومته ستسعى الى اتخاذ التدابير الكفيلة بالتحكم في الأسعار وتنظيم السوق ومكافحة التهريب والعمل على ترشيد اسعار المواد الغذائية الطازجة.

وأشار الى أن التصدي الى افة التجارة الموازية يعد ضرورة قصوى لدى حكومته باعتبارها بلغت حدا ينذر بعواقب وخيمة اذا لم نسرع في اتخاذ اجراءات عاجلة في شأنها وفق قوله.

ورغم أن الصيد قدم خلال موكب تسليم السلطة وثيقة مخطط التنمية للفترة 2017-2020 التي ضبطت فيها حكومته أهم ملامح التنمية خلال الفترة المقبلة، وكانت بذلك المرة الأولى التي يسلم فيها رئيس حكومة وثيقة مخطط التنمية لخلفه، إلا أن أغلب الاجراءات التي تعهد بها الصيد، تغاضى عنها الشاهد، ولم يلتزم بها.

ولمّح الشاهد في أكثر من مناسبة الى أن الصيد قدم تعهدات أكبر من إمكانيات الدولة، وإن لم يشر صراحة الى أن حكومته غير معنية بها الا أنه أكد في حوار صحفي في افريل 2017 ان الاحتجاجات التي اندلعت في عدة جهات من البلاد تعود الى الوعود غير الجدية وغير المسؤولة الموجهة الى الشعب و لم تقدر الحكومات المتعاقبة على تحقيقها مشددا على ان الدولة قادرة على انجاز مشاريع بقيمة 45 الف مليون دينار.

وشدد على ان حكومته لن تعط وعودا غير قادرة على انجازها، مشيرا الى انه صارح الشعب التونسي منذ تعيينه بصعوبة الوضع الاقتصادي وتوقع الشاهد ان تسجل الدولة نموا بقيمة 2.5 بالمائة وفق ما نقلته كاب اف ام.

رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد أكد في خطاب أمام مجلس نواب الشعب أنه تم الانتهاء من إنجاز حوالي 90% من مشاريع بناء سدود، والطرقات السيارة، وتوفير الماء الصالح للشراب، مشيرا الى إدماج 70 الف عامل في هذه المشاريع وهو ما ساهم في تهدئة الاجواء والا فان الوضع كان سيتوتر اكثر.

وفي عهد رئيس الحكومة الحالي، شهدت جميع المناطق التونسية دون استثناء الحضرية منها والريفية احتجاجات منددة بعضها بعدم تزويدهم بالماء الصالح للشراب، وأخرى تستنكر الانقطاع المتواصل للماء في فصل الصيف بصفة خاصة واوقات الذروة.

في ما يتعلق بمعضلة البطالة قال الرئيس السابق أنه جعل من نسبة البطالة لا تتجاوز 15.3% وانه قام ببرنامج استثنائي في 2015 وتم تقديم اجراءات جديدة لكل ولاية زارها اضافة الى تخصيص برنامج اخر في سنة 2016.

في المقابل، يؤكد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ارتفاع عدد التحركات الاحتجاجية من 4960 احتجاجا خلال سنة 2015 إلى 9532 احتجاجا سنة 2016 وتجاوزت خلال التسعة اشهر الأولى من السنة الحالية 8000 تحرك احتجاجي حسب إحصائيات قدمها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وتبقى التحركات الاحتجاجية التي شهدتها تطاوين/الكامور، وقبلي، وقفصة وسيدي بوزيد خلال الاشهر الاخيرة أبرز دليل على تأزم الوضع الاجتماعي، الذي قال عنه المنتدى أنه قد حصل وانفجر.

كما دعا الاتحاد الجهوي للشغل بسليانة في 28 ديسمبر المنقضي رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد الى ضرورة تفعيل تعهدات رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد لصالح الجهة المتخذة في مجلس وزاري عقد يوم 29 ديسمبر 2015 اضافة الى دعوته الى الالتزام بالاتفاق المبرم مؤخرا بمناسبة احياء الذكرى الرابعة لأحداث الرش والتعجيل بعقد الجلسات القطاعية وجلسات المتابعة الدورية .

وأضاف الاتحاد وجود محاولات لتضخيم بعض موارد الرزق البسيطة لتقديمها كمشاريع صغرى في حين أنها لا ترقى حتى لاعالة أصحابها مُشبها هذه البرامج ببرنامج “التنمية الريفية “ وفق نص البيان.

رئيس الحكومة اكّد ان برنامج انتداب فرد من كل عائلة معوزة سيتم تفعيله في سنة 2016 ، اضافة الى تفعيل 11 الف مشروع صغير ستوفر الدولة ميزانيتها.

أما في ما يتعلق بتحسين ظروف عيش العائلات المعوزة تعهد الحبيب الصيد خلال فترة حكمه بالترفيع في المنحة المقدمة لهم من 120 الى 150 دينار وتم العمل بهذا الاجراء ودخل حيّز التنفيذ،كما وعد بالترفيع في نسبة المنتدبين من المعاقين لادماجهم في الاقتصاد الوطني.

واكد الصيد ان برنامج انتداب فرد من كل عائلة معوزة سيتم تفعيله في 2016.

في المقابل، تنفذ مجموعة من حاملي الشهائد العليا المعطلين عن العمل وقفة احتجاجية بمحيط رئاسة الحكومة بالقصبة تحت شعار “من أجل تفعيل قرار جانفي 2016” رافعين عديد اللافتات التي ضمنوها مطالبهم على غرار “نريد قرارات فعلية، لا وعود وهمية” و”شغل حرية كرامة وطنية” و”التشغيل أولوية لا تنازل عن القضية”.

اما عن آليات التشغيل قال رئيس الحكومة السابق، انها ستزول تماما وان الحكومة منكبة لازالتها بحلول سنة 2020, واعتبر الصيد ان الاليات سبب في التوترات الاجتماعية التي تحدث من حين لآخر.

في المقابل، تواصل الحكومة الحالية في سياسة إرساء اليات عمل هشة لحل معضلة البطالة بحلول وقتية أغلبها لا تتجاوز السنتين، على غرار عقد الكرامة الذي دخل منذ أشهر حيز التنفيذ، وتتجه وزارة التشغيل الى ارساء الية جديدة بنهاية العام الحالي وفق ما اعلنه وزير التكوين المهني والتشغيل.

مبدأ استمرارية الدولة لم تعقه الحكومات المتعاقبة عند هذا الحد، ويتوقف استغلال مآسي الضعفاء لكسب مزيد من الوقت عند ذلك بل أخل أيضا الشاهد بالاجراءات التي اعلنها الصيد لفائدة شباب ولاية القصرين عقب التحركات الاحتجاجية والاضرابات التي اجتاحت عددا من المعتمديات العام الماضي، وتتمثل هذه الاجراءات، حسب ما أعلن عنه الناطق الرسمي باسم الحكومة، خالد شوكات، في انتداب 5000 عاطل عن العمل ضمن الاليات المعتمدة في برامج التشغيل بالاضافة الى انتداب 1410 عاطل عن العمل ضمن الالية.

كما تبنى البنك التونسي للتضامن 500 مشروع لتمويله، بكلفة إجمالية تصل الى 6 مليون دينار.

وأضاف شوكات أن الجلسة اتخذت قرارات في مجال مكافحة الفساد كتكوين لجنة وطنية للتقصي في حالات الفساد في المنطقة بالاضافة الى تحويل جميع الاراضي الاشتراكية بالجهة الى اراض خاصة وذلك قبل موفى شهر مارس القادم.

وفي ما يتعلق بالبنية التحتية والتجهيز قال الناطق الرسمي باسم الحكومة إنه سيتم إحداث 9 مقاولات برأس مال يبلغ 150 الف دينار وذلك للعناية بالطرقات والجسور بالمنطقة، مشيرا الى انه سيتم تخصيص 135 مليون دينار سنة 2016 لبناء الف مسكن اجتماعي وتهيئة الف مقسم ترابي.

وبقيت أغلب هذه الاجراءات وعودا ينتظر الشباب الذي منح على ضوئها الحكومة هدنة اجتماعية كانت بحاجتها، تفعيلها على أرض الواقع.

وحول غلاء المعيشة، الذي تصدر عناوين نشرات الاخبار ومقالات الصحف في تلك الفترة، قال الحبيب الصيد ان الحكومة قامت بمجهود وقلصت نسبة التضخم من 5,7 بالمائة الى 4,2 بالمائة، لتؤكد آخر الدراسات التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء ارتفاع نسبة التضخم عند الإستهلاك العائلي خلال شهر أوت 2017 لتصل إلى مستوى 5،7 بالمائة مقابل 5،6 بالمائة خلال شهر جويلية.

ويعيش التونسي خلال الفترة الحالية عجزا في خلقه توازنه المعيشي في ظلّ مـا تشهده البلاد من ظروف اقتصادية صعبة، أمام عجز الميزانيّة بسبب تراجع إيرادات عديد القطاعات، فضلا عن التراجع المستمر لسعر الدينار التونسي.