عالمي عربي - كتّاب

الإثنين,5 نوفمبر, 2018
بلفور بريطانيا وخلفاؤه من الأعراب

 

يستذكر كثير من العرب والفلسطينيين، في شهر نوفمبر من كل سنة، وعد بلفور الذي سمحت من خلاله بريطانيا ليهود قادمين من كل الآفاق بالاستيطان في ارض فلسطين. ولئن كان الكثيرون من العرب والفلسطينيين يفعلون ذلك وهم يتجرعون مرارة فقد الأوطان ومهانة التيه والتشريد، فإن الكثيرين لا يفعلون ذلك إلا من باب العادة ودفع التهمة.

فماذا يعني اليوم التمادي في طقوس اللطم الساذج، أو التباكي المخادع بإحياء ذكرى الوعد البريطاني؟

أول ما يَحسُن البدء به، هو المجال الرمزي والدلالي وذلك من خلال  وَصف الوعد المذكور في الأدبيات والشعارات العربية بـ”المشؤوم”، وفي ذلك بلا شك إقرار بان الأمر قد مثل منعرجا حقيقيا في تاريخ أمة العرب والمسلمين. حيث يقودنا النظر العميق في الوعد إلى ان نبتعد عن اعتباره تجسيما  آنيا مباشرا ووليد ظرف تاريخي خاص ومحدودا بشروط مباشرة، بل كان نتيجة لسياق تاريخي طويل وليس سببا أصليا للكوارث التي تبعته. فلقد كان وعد بلفور تعبيرا عن مآل نهائي لأرضية سابقة وشاهدا على التراجع المتواصل بين خيبات وتنازلات متتابعة، افضت إلى تضييع أرض عربية إسلامية وخضوع المجال العربي الإسلامي كغيره من مجالات أخرى في مختلف مناطق العالم للسيطرة الغربية التي قادتها أوروبا.

ومن المفارقات الغريبة التي نعيشها اليوم ان هذا الوعد الذي أعطت بريطانيا بموجبه ما لا تملكه من الأرض التي سيطرت عليها في إطار “انتداب” فرضه المنتصرون في الحرب العالمية الأولى على كل المنطقة، أنه لم يبق من هذا الاستعمار القديم الذي شهده العالم، إلا الرقعة الفلسطينية، وكأن هذا الاحتلال ينتمي الى فصيلة أخرى من الاعتداءات الاستعمارية المعروفة للقوى الغربية.  وإمعانا في الغطرسة والصلف واستثمار التفوق التقني والحربي، لم يكتف الانقليز بما نتج عن احتلالهم من المجازر والفظاعات بعد زواله من عدة مناطق أخرى، بل إنهم أعطوا ارض فلسطين لمن ليس له أي حق فيها من الغرباء عن الأرض. وبذلك يتأكد لنا ان احتلال الأرض الفلسطينية وتسليمها لليهود كوطن لم يشبه أي احتلال آخر لأنه كان بمثابة تجسيم من قبل ما يطلق عليه المجتمع الدولي لوضع جائر، الهدف منه التخلص من يهود العالم الغربي بتوطينهم في فلسطين، وذلك على الرغم من ان هؤلاء اليهود لا علاقة لهم بأرض فلسطين وانهم من شعوب الخزر التي تستوطن القارة الآسيوية، ولم يسبق لهؤلاء ولا لأجدادهم ان وطئوا أرض فلسطين قبل سماح بريطانيا وتسهيلها ذلك لهم.

فإذا كان الوضع على هذه الدرجة من الحيف والبشاعة، كيف يمكن ان تتواصل المعاناة الفلسطينية إلى ليوم، رغم الشعارات المعلنة دوليا لإرجاع الحقوق إلى أصحابها وحق الشعوب في تقرير مصيرها ؟

ما تزال بريطانيا إلى اليوم تعتبر ما قامت من تسليم أرض الفلسطينيين إلى الغزاة ومن تشريد شعب واقتلاعه من ارضه وتحويل من بقي منه على فلسطين مجرد لاجئين، عملا مقبولا من وجهة النظر السياسية واعتبارا لمصالحها الوطنية ولما تُقرّه القوانين الدولية. بل إن هذه القوة الاستعمارية سابقا و”الديمقراطية” حديثا كانت قد احتفت بمرور قرن على إنجازها لهذا الوعد التاريخي. والحال ان البعض ما يزال يطمع في اعتذار من أجرم من الدول والإمبراطوريات في حق غيره من الشعوب، بما فيها الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية. فإذا كان الحق الفلسطيني على درجة من الوضوح ولئن كانت الجريمة في حق الفلسطينيين ثابتة بما لا يسمح لأحد بإخفائها، أليس من الحمق التعويل على منطق الحق وحده إذا لم يُدعم ذلك الحق بوسائل القوة لاسترجاع الكرامة والارض. ولكن من جهة اخرى يجب النظر إلى وضع فلسطين اليوم في إطار تقييم شامل للأوضاع التي أنتجت وعد بلفور وتعمل اليوم على تواصل تبعاته. فمن الحيف وقصر النظر إلقاء الجرم على البريطانيين وحدهم، فهم وإن أجرموا في إعطاء ما لا يملكون لمن لا يستحق، ليسوا مسؤولين وحدهم على تواصل الكارثة الفلسطينية. ويحتاج فهم الوضع المتردي الذي وصله الوضع الفلسطيني من ضياع حقوق شعب كامل ومحاصرته في أرضه أو في الشتات خارجها، إلى فهم السياق العام للسياسة البريطانية وخاصة ما الذي يسمح بتواصل نتائجها إلى اليوم.

ليس ضياع الحق الفلسطيني ظاهرة معزولة عن وضع المنطقة عامة، إذ ان الوجود الاستعماري البريطاني الفرنسي لم يغير فلسطين وحدها بل غيّر جغرافيا الكيانات والدول وأحدث انقلابات جذرية ألغت كيانات قديمة وأحدثت أخرى ورسمت خرائط جديدة في المنطقة تم وضعها في مراكز القيادات الحربية قبل أن يتم إسقاطها دون اعتبار للحقائق والمعطيات السكانية والسياسية على الأرض.

تبين الوقائع التي يريد الكثيرون التعمية عليها ان بلفور لم يكن وحده وان بريطانيا اصطنعت لها شركاء يحملون معها عبئها التاريخي. فعندما كان القادة الحربيون والجنرالات الاستعماريون يجتمعون في مراكز قيادتهم العامة ويضعون خريطة المنطقة امامهم يقسمون الكعكة الجيوستراتيجة حسب اهواء ورغبات اللوبيات الفاعلة آنذاك، فضلا عن أطماع الحمقى من القادة المحليين.  واذا كان الاستعمار جريمة في حق الشعوب فإن ترتيبات ما بعد الاستعمار تثبيت لتلك الجرائم وتأبيد لها. وتكفي نظرة عامة لخريطة المنطقة لنلحظ خطوطها المستقيمة التي تجعل من “الدول” اشبه بقطع فلاحية رسمت على شكل خطوط واشكال هندسية لتكون الكيانات اشبه بمزارع لكبار استعماريي الامس وممثلي المجتمع الدولي اليوم. ولنا في التاريخ ما يؤكد أن حروب الكبار خلال النصف الأول من القرن الماضي على توزيع المناطق الاستعمارية لم يكن لها من هدف غير مطالبة الصف الثاني من المجرمين ممن اعتبر نفسه لم يحصل على حقه من استعباد السوائم الشبيهة بالبشر!! وإن ما شهدته الحروب الاوروبية او حروب اهل “الشمال” عامة، والتي تطلق عليها صفة العالمية، ماهي الا حرب السارقين بسبب الاختلاف على المسروق.  والادهى من ذلك انه في خضم حرب  عصابات الحداثة الأوروبية ونشر التنوير، تم بعث كيانات وتأسيس عروش وسلطنات او التمديد في عمر من فقد علاقته بالتاريخ منها، وما يزال يرتبط وجودها إلى اليوم بالخرائط المستحدثة والسلالات المُهجّنة لتكون حارسة لإقطاعيات كبار الملاكين من اوائل المستعمرين وما فرّخوه من بنوك وشركات ومؤسسات سيطرة.

إن وضع فلسطين اليوم هو وضع شديد التعقيد، وكثير الضبابية بسبب تَخفّي الكثير من العرب وكياناتهم وراء الشرعية الدولية، فضلا عن حرصهم على تواصل المأساة الفلسطينية لأن الحل الحقيقي لفلسطين يمر بالتأكيد بتغيير المنظومة الدولية التي اختلقتهم وتتواصل اليوم بفضلهم قبل غيرهم. على الذين يرغبون في تحرير ارض فلسطين اليوم ان يعرفوا أنهم، سواء فاوضوا أو قاوموا، يواجهون منظومة تتجاوز بعض المستوطنين الذين يعرف الجميع جبنهم، لتشمل ضباع السياسة من بني جلدتهم الذين استباحوهم في اكثر من موضع، وما يزالون.

 

مراد اليعقوبي

مؤرخ وأستاذ جامعي تونسي