تحاليل سياسية

الإثنين,14 مايو, 2018
بعد نتائج البلديّات: مرزوق “يتقرّب” للتوافق بطريقة أخرى

تلتقي أغلب القراءات والتحاليل لنتائج وإحصائيات صناديق أول إنتخابات بلديّة في تونس فيظلّ دستور الثورة الجديد للبلاد على أنّ الخطاب المتوتر والإقصائي يواجه عزلة شعبيّة واضحة في مقابل خطاب التوافق والخطاب الإصلاحي، عزلة تظهر جلية في النسب التي تحصلت عليها عدّة مكونات في مقابل الفارق الكبير الذي أحرزته أحزاب منظومة التوافق في نفس الإنتخابات.

بشكل مباشر وعبر آلية الإقتراع حسم التونسيون جدلا قائما في البلاد منذ الثورة بعد فرض إستقطاب ثنائي على قاعدة “المشروع المجتمعي” أو على قاعدة “قديم/جديد” وإنتصر في النهاية مبدأ الحوار باعتبار الأسلوب الأكثر تحضرا في إدارة الإختلاف بين مختلف الفاعلين السياسيين والإجتماعيين وهذا أحد ملامح تمايز الإنتقال الديمقراطي التونسي عن نظراءه في الوطن العربي.

صناديق بلديات 6 ماي التي مازالت تسيل نتائجها حبرا كثيرا في تونس منيت خلالها حركة مشروع تونس بهزيمة قاسية رغم ضخامة الصورة الإعلامية للحزب ورغم الأزمات المتتالية التي عصفت بحركة نداء تونس وهي هزيمة جعلت كثيرين يتحدّثون عن عودة مغارين للنداء بعد فشله في فرض نفسه كقوّة صاعدة في المشهد الحزبي من جهة وخاصّة بعد موجة الغضب والإستقالات بسبب ما إعتبره المغادرون بالإجماع دكتاتوريّة الأمين العام محسن مرزوق.

الأمين العام لحركة مشروع تونس محسن مرزوق وبعد فشله في تشكيل حزب “يعيد التوازن إلى المشهد السياسي” على حدّ توصيفه طيلة الفترة التي سبقت الإنتخابات البلديّة بات أمام وضعيّة صعبة لا فقط من حيث عدم قدرته على سحب الجسم الإنتخابي للنداء فحسب بل ومن حيث عدم قدرته على إدارة دفّة حزبه الجديد الذي تشير كل المعطيات إلى إنفراط عقده بعد عزلته الناجمة عن خطاب الإقصاء وتبنّي موقع ضديد حركة النهضة.

مرزوق نفسه سارع إلى محاولة إمتصاص الصدمة والتعامل مع الهزيمة المدوية في الإنتخابات البلديّة بأسلوب جديد معلنا في تصريح تلفزي عزم حزبه على العمل على تعبئة الكفاءات بعيدا عن تعبئة “المضادين للنهضة” معتبرا أن مبدأ الكفاءة ونظافة اليد كانت أساسية في تحديد خيارات الناخبين.

تصريح مرزوق يمكن أن يفهم في إتجاهين متناقضين فهو من جهة إقرار بنظافة اليد والكفاءة لمرشحي حركة النهضة التي يحاول حزبه في كثير من خطاباته ومواقفه وبياناته وضعها في الزاوية ومن جهة أخرى إعتراف بالتوافق وأهميته ونجاحه دون ذكره من خلال التخلّي عن موقع “الضديد” وعن الخطاب الإقصائي والمتوتّر وفي الحالتين لا تحيل تصريحاته على مراجعات بل على محاولة تماه مع السياق العام لإمتصاص هزيمة الصندوق.

تصريحات محسن مرزوق المذكورة رغم أنها إعتراف واضح بانتصار منظومة التوافق دون ذكرها قد تكون خطوة نحو مزيد العزلة لخطابات الإقصاء ودعاة الإستقطاب الثنائي على قاعدة التنافي بعيدا عن لغة الحوار وهي تصريحات تمثّل ضربة أخرى قوية للخطابات المتوتّرة بعد عقوبة الصناديق الإنتخابية.