ورقات

الأربعاء,14 نوفمبر, 2018
انقلاب 1987 “الناعم”.. المخابرات الأمريكية ” تتنبّأ” به قبل سنة من تنفيذه

 

نقاطُ استفهام عديدة تطوّق موضوع انقلاب زين العابدين بن علي على الحكم وخلافته للحبيب بورقيبة في السّابع من نوفمبر 1987، والجذور الأولى لهذا الانقلاب ..

تعدّدت الروايات واختلفت حول مخطّط بن علي للتغوّل على الحكم، بيد أنّ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية نشرت في موفّى 2016 وثائق في غاية السّرية تكشف خفايا عديد الملفّات المتعلّقة بتونس تعود إلى تاريخ مـا قبل استقلال البلاد التونسية من الاستعمـار الفرنسيّ،  بينها مراسلات و وثائق تفصّل مـا حدث لتعبيد الأرضية الملائمة لتنفيذ بن علي انقلابه .

جذور الانقلاب

وثائق أُعدّت من قبل مديريّة المخابرات بتاريخ 31 جانفي 1986 وأُرّخت في 06 فيفري 1986 بشكل سرّي، كشفت أنّ التهيئة لانقلاب زين العابدين بن علي على السلطة انطلقت قبل أكثر من سنة من تنفيذه عمليًّا..

بن علي الذي كان يشغل منصب وزير للداخلية في 1986 قبل أن يُعيّن وزيرًا أوّل في أكتوبر1987 (مع احتفاظه بوزارة الداخلية )، بدأ يستغلّ فرصة نزعة الضّباط، في تلك الآونة، إلى الدّخول على خطّ الحياة السياسية، لتبدأ بذلك الصورة المألوفة عن الجيش التونسي كمؤسسة “غير مسيّسة” في الاندثـار.

خلال تلك الفترة، تزايد اهتمام ومخاوف الضبّاط التونسيين تجـاه القضايا السياسية الوطنية لعدّة عوامل لعلّ أبرزهـا تزايد المشاكل الماديّة صلب الجيش، بسبب قيود الميزانية، والتغييرات عالية المستوى في صفوف الموظّفين، فضلًا عن التطوّرات السياسيّة الوطنيّة والدّولية خلال تلك الآونة.

هذه المخاوف عكست جزئيّا خيبة أمل واسعة تجاه الحكومة وعدم ارتياح بسبب التراجع الاقتصادي والمشاكل الاجتماعية. وما زاد الوضع حساسية، رواج ‘إشاعات’ حول انقلاب محتمل، ممّا ضخّم في رغبة الضّباط في الدّخول على الخطّ السياسي.

وتنبأت المخابرات الأمريكية آنذاك (جانفي 1986) بأنّ توجّه حكومة بورقيبة المتعثّرة (أو من سيخلفه) نحو فقدان للشرعية، من شأنه أن يشجّع الضّبّاط على الاستيلاء على السّلطة.

ولفتت الـ”سي آي ايه” في وثائقها السرّية إلى أنّ الأحداث التي من المرجح أن تدفع الضّبّاط إلى التّدخل هي عدم قدرة الحكومة على السيطرة على الاضطراب العام والفوضى واسعة الانتشار أو شلل النّظام مع فرضية وفاة بورقيبة، في تلك الآونة.

وأشارت إلى أن تونس تعدّ استثنائيّة في العالم العربي باعتبار أنّ قواتها المسلّحة لم تلعب دورا سياسيّا يُذكر، قبل الاستقلال وبعده. وقد حرص بورقيبة، الذي وصفته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بـ”الأب المؤسّس للدّولة” و”الشّخصيّة المسيطرة لعقودٍ متواصلة” ، على تحييد الجيش وإبعاده تمامًا عن السياسة. وقد حُسبت هذه النّقطة لصالحه باعتباره نجح في تحقيق استقلال البلاد من الاستعمار الفرنسي دون اللّجوء إلى قوّة السّلاح ، وفق ما جاء في الوثائق الاستخباراتية.

من زاوية أخرى، تطرّقت الوثائق إلى أن تونس كانت تختلف عن جارتيها الأكبر مساحة والأقوى عسكريّا ليبيا والجزائر ، ممّا خفّف الحاجة إلى مؤسسة عسكريّة كبيرة ومكلفة.

الجيش والسلطة في تونس

وقد سعى الحبيب بورقيبة إلى إضعاف الجيش التونسي وعدم منحه القدرة على القيام بانقلاب ضدّه، بعد أن شهد موجة الانقلابات في مرحلة ما بعد الاستقلال التي عجّت بها المنطقة خلال تلك الفترة . ولعل ما جعل مهمة بورقيبة تلك أسهل هو أن القوات المسلحة التونسية تأسّست رسميا بعد الاستقلال، و تحديدا في 30 جوان 1956، بجمع 850 من رجال حرس الباي، و1500 من الجيش الفرنسي، و3000 من المجندين، وتمكّن من إبقاء الجيش صغيراً في حجمه ومعزولاً عن السلطة السياسية.

وبعد معركة بنزرت في 1961، وفشل محاولة انقلاب في العام التالي، بقي الجيش محصوراً في الثكنات ومعزولاً نسبياً عن السياسة.

وعلى مدى العقدين التاليين، لم تُولِ الحكومات في تونس دعما مادّيا يُذكر للمؤسسة العسكرية، وفق وثائق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي نوهت بأن صناعة الأسلحة في تونس كانت تقليدية ومتواضعة جدّا مقارنة بجيرانها. كما أن سياسة التّقشّف التي انتهجتها الحكومة تجاه مؤسستها العسكرية كانت سببا في إعاقة تكوين ضبّاط محترفين، إذ كانت لدى بورقيبة أيضاً أولويات أخرى، حيث أنفق نسبة تتراوح بين 40 إلى 50 في المائة من الميزانية على التعليم والخدمات الاجتماعية، وترك القليل من الموارد للجيش.

لكن المؤسسة العسكرية اقتحمت الحياة السياسية، ولك يكن ذلك بإرادة الضباط، بل بدفع من قبل الحكومة، إذ أن التظاهرات وأحداث العنف الناتجة عن تعثر اقتصاد البلاد، والاختلافات بين الحكومة والمنظمة العمالية أجبرت بورقيبة على دعوة قوات عسكرية لاستعادة النظام ووضع حدّ للفوضى. ولم يقع إخماد الاضطرابات في أوائل عام 1984، التي أشعلها ارتفاع أسعار الخبز  إلا باستدعاء الجيش.

الدور العسكري خلال “مظاهرات الخبز” في 1984 دفع كبار الضباط إلى التّشكّي من الدور الجديد الموكول إليهم ومن مخاطر طلب الحكومة من القوات المسلحة للوقوف ضد المواطنين . كما خشي كبار الضباط من إمكانية تردد الجنود من التدخل في أزمات مثيلة في المستقبل. فضلا عن تخوفهم على حد سواء من اضمحلال شعبية نظام بورقيبة وتغير تفكير الجيل الجديد من الضباط الذين يميلون إلى الشعب أكثر منه إلى المؤسسة، وفق ما ورد في إحدى ورقات المخابرات المركزية الأمريكية.

تململ في الجيش

ومنذ أحداث 1984، تأثر الجيش شيئا فشيئا بالأزمات الاقتصادية، السياسية، والاجتماعية التي مست البلاد، لتبدأ رحلة تذمّر الجنود من تدني الأجور،و الافتقار إلى الامدادات، ونقص المعدات والتدريبات، فضلا عن وجود مظاهر فساد في صفوف كبار الضباط، وفق ما جاء في الوثائق الاستخباراتية.

و نقلت وكالة الـ”سي آي ايه” عن مصدر من السفارة الأمريكية بتونس أن عددا من العسكريين وجهوا رسالة إلى وزير الدفاع صلاح الدين بالي في أفريل 1985، أعربوا فيها عن استيائهم من عدم زيادة رواتبهم، وهددوه بمقاطعة الموكب الاحتفالي بعيد النصر غرة جوان 1985.

ولعلّ ما ضاعف استياء الجيش التونسي و دعم قلقهم، هو التهديدات الليبية التي كانت تتربص بتونس بين أوت ونوفمبر 1985 التي يقابلها ضعف ومحدودية في تجهيزات ومعدات المؤسسة العسكرية، خاصة فيما يتعلق بالقوى الجوية مما أتاح الفرصة للعدوان الاسرائيلي لاختراق تونس وشن هجوم على المقر الرئيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية في أكتوبر 1985، مما أهان وحقّر صورة الجيش التونسي أمام الرأي العام الدولي.

ولفتت الوثائق إلى أن في ديسمبر من العام ذاته، انتشرت مزاعم حول إفشال مؤامرة عسكرية للانقلاب على الحكم، مشيرة إلى تورط ضباط وضباط صف، فضلا عن ضلوع قائد القوة الجوية العسكرية الجديد فيها دون المشاركة فيها. وتابعت وكالة المخابرات الأمريكية أن هذه المعطيات غير المؤكدة، دعمتها حركة النقل أو الإحالة على التقاعد لأربعة من كبار الضباط في ظروف غامضة في نوفمبر. ثم بُعيْد ذلك، وقع حل قيادة تدريب الجيش وإقالة رئيسها وتوزيع تلاميذ المدارس العسكرية على وحدات مختلفة من الجيش.

الصعود المتنامي لبن علي

واستبقت المخابرات الأمريكية الأحداث، إذ رجحت في وثائقها ان يكون للجيش دورا هاما في الحياة السياسية في القادم، منوهة بتعاظم دور الجنرال زين العابدين بن علي وزير الداخلية المعتمد لدى الوزير الأول، مؤكدة أنّ بن علي متموقع جيدا مما يخول له الطموح بمسك السلطة إمّا بالتنسيق مع مزالي أو ضدّه..

المخابرات الأمريكية التي تنبأت منذ 1986 بجاهزية بن علي للمسك بزمام السلطة لم تخطئ، إذ سرعان ما واصل بن علي التقدم في مشروعه لينقلب على الحكم..

بن علي الذي كان في أول مسيرته عضوا ضمن ما يعرف بـفريق “ترقية بورقيبة” التي تعنى بتكوين تلاميذ عسكريا، وأنشأ مديرية الأمن العسكري في 1964، ثم أصبح أمير لواء، نُقل إلى وزارة الداخلية في 1977 مديراً عاماً للأمن الوطني. ومن ثم بدأ في الصعود وتسلق المناصب المدنية، بدءا بمنصب سفير تونس لدى بولندا في 1980، فوزير دولة لشؤون الأمن الوطني في 1984، ووزيراً للداخلية في 1986، ثم رئيساً للوزراء في أكتوبر 1987، لينقلب في غضون شهر واحد على الحكم .

ففي 7 نوفمبر 1987، خلع زين العابدين بن علي، الحبيب بورقيبة عن الحكم في انقلاب ناعم. ومع تطويق الحرس الوطني بقيادة الحبيب عمّار القصرَ الرئاسي، أعلن الأطباء الذين جمعهم بن علي أن بورقيبة غير قادر صحيّاً على الحكم.

وفي غضون أسابيع من تولّيه منصبه، رقّى بن علي أربعة ضباط إلى رتبة جنرال، ثم أعاد تسمية “مجلس الدفاع الوطني” الذي شكّله بورقيبة ليصبح “مجلس الأمن القومي” والذي فوّض قانوناً بالاجتماع أسبوعياً وجمع ودراسة وتحليل وتقييم المعلومات المتعلقة بالسياسات المحلية والخارجية والدفاعية بهدف حماية أمن الدولة الداخلي والخارجي.

ومن هذا المنطلق، أخذ كبار الضباط يشغلون المناصب المعروفة تقليدياً بأنها مدنية لا عسكرية، حيث عيَّن بن علي الحبيب عمّار وزيراً للداخلية في 1987، وعبد الحميد الشيخ وزيراً للخارجية في 1988 ومن ثم للداخلية في العام 1990، ومصطفى بوعزيز وزيراً للعدل في 1989 ثم وزيراً لأملاك الدولة في 1990، وعلي السرياطي مديراً عاماً للأمن الوطني في 1991، وعدداً من ضباط الجيش الآخرين في أعلى الوظائف الأمنية.

تحييد الجيش أم تركيعه

هذه التعيينات جعلت من مجلس الأمن القومي ذي أغلبية عسكرية في أواخر الثمانينيات، وجعلت لضباط الجيش آنذاك رأيا مهيمنا في سياسة البلاد بعد أن كانت الصورة المألوفة عن الجيش التونسي في السنوات الأولى من تأسيسه بعيدة كل البعد عن الشأن السياسي.

ولكن صعود العسكريين أصبح بعد ذلك وبالا على مؤسسة الجيش، فقد استخدم الجنرال بن علي قيادة المؤسسة العسكرية لتحجيم دور الجيش والاستقواء عليه بالمؤسسة الأمنية التي تعاظم دورها في البلاد لتتحول إلى دولة بوليسية. وانطلقت الخطة بافتعال ما عرف بملف “براكة الساحل” ومرّ مئات العسكريين من مختلف الرتب ضباطا وضباط صف وجنود على مسطرة التعذيب بمقرات وزارة الداخلية ثم تمت تزكية العملية عبر القضاء العسكري. ولم تبرز المؤسسة العسكرية إلاّ خلال أحداث ثورة 17 ديسمبر 2010- 14 جانفي 2011، بصورة مغايرة لما عرفت به تدخلاتها تاريخيا، حيث قوبلت باحترام كبير من الشعب التونسي ومن المنتفضين.