ورقات

السبت,8 يوليو, 2017
الوهابية والإخوان.. صراع على تمثيل الإسلام السني

منذ أسابيع صرح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير “أن على قطر التوقف عن دعم جماعات مثل الإخوان المسلمين وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)”، وفي وقت لاحق نشرت هيئة كبار العلماء بالمملكة تصريحات وفتاوى بعضها قديم وتم إعادة نشره تحذر فيه من جماعة الإخوان بأنها ليست على منهج صحيح وتخرج على الحكام ولاة الأمر ولا تعتني بالعقيدة، وأتت هذه التصريحات في سياق حملة المقاطعة السياسية والدبلوماسية التي شنتها المملكة السعودية والإمارات وغيرهم من الدول ضد دولة قطر مطلع شهر جوان.
 
كانت حملة المقاطعة قد بدأت مصحوبة بحملة إعلامية أرسلت رسائل غير واضحة ومختلطة في البداية، وهو ما دفع الوزير السعودي لتوضيح سبب خلاف المملكة مع قطر بشكل أكثر تفصيلا بما وصفه دعم قطر للإخوان المسلمين وحماس مضيفا في لهجة حادة أنه قد فاض الكيل من علاقة قطر بالأخيرين.
 
التصعيد الأخير ضد قطر قد يكون مفهوم من دولة الإمارات والتي كانت منذ الربيع العربي واضحة وغير مترددة في عدائها للثورات العربية والإسلام السياسي منذ البداية، إلا إن هذا التصعيد يُمثل التفاتة حادة في السياسة السعودية الإقليمية والخارجية، فبعد أن كانت السعودية والإمارات على إستراتيجية واحدة وقت المد الثوري للربيع العربي في دعم الانقلاب في مصر والضغط على حكومة النهضة في تونس والتضييق على الثورة في اليمن، إلا أنه منذ انفجار الوضع في اليمن وسيطرة مليشيات الحوثيين على صنعاء، وهو ما تم اعتباره انتصارا لإيران وليس للسعودية ومع استمرار النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والعراق، اتجهت السعودية لترتيب أولوياتها ووضعت المواجهة مع التمدد الإيراني في المنطقة على راس أولوياتها.
 
فتم اعتبار ذلك التهديد الإيراني هو التهديد الأكبر للأمن القومي السعودي والخليجي وليس مشروع الإخوان المسلمين أو تيارات الإسلام السياسي أو تقارب الدولة القطرية معهم.
 
وطوال العامين السابقين تحديدًا منذ دخول الحوثي صنعاء شكلت المملكة تحالفاتها مع تركيا وتقاربت مع حماس وفصائل المعارضة في سوريا وغير ذلك من خطوات من شأنها تقليل الحضور والنفوذ الإيراني في الإقليم. إلا أنه وعلى عكس ما كان متوقعًا لم تدم تلك السياسة طويلا ، وعادت المملكة من جديد ترفع شعار المواجهة مع الإخوان المسلمين وحماس أكثر من الحديث عن الخطر الإيراني وكان الميدان الأساسي هذه المرة هو التصعيد والحصار ضد قطر.
 
أمام هذا التحول والتردد حالة عدم الحسم، يبرز سؤال مُلح، ما الذي يدفع المملكة السعودية المستندة أساسًا على أيديولوجية إسلامية وشرعية دينية في الحكم والسُلطة إلى توجيه كل هذا العداء والإصرار عليه لحركات الإسلام السياسي السُني في الوقت الذي باتت إيران فيه تهدد أمنها القومي وتنشر نفوذها في المنطقة بشكل لم يحدث من قبل في تاريخ الصراع بين البلدين؟
 
الدين والأيديولوجية والظرف التاريخي
 
تعد المملكة العربية السعودية امتداد لتحالف قديم بين الشيخ محمد عبد الوهاب ومحمد بن سعود عام 1744م، وتعتمد على كسب شرعيتها بشكل أساسي على الخطاب السلفي الوهابي باعتبارها دولة تقيم الشريعة وتحفظ الإسلام والسُنة وتعمل على نشرهم، في المقابل مثّل خطاب الإخوان المسلمين خطاب إسلامي سُني إحيائي مرتكز على القيّم الإسلامية العامة، وتصور للإسلام باعتباره نموذج كامل للمجتمع والدولة في العصر الحديث. ومع الانتشار الملحوظ لجماعة الإخوان بات يُشار لها دائما بأنها كبرى حركات الإسلام السياسي السُني في العالم والتي تفرعت منها حركات إسلامية متنوعة في وقت لاحق، ويعد الخطابيّن السلفي والإخواني -على ما بينهما من تباين- هم المُمثلين الأبرز والأكثر ثقلا للإسلام السياسي السُني في العصر الحديث.
 
وللدكتور رضوان السيد هنا إشارة مهمة وتأسيسية وهي أن “الحركة السلفية الوهابية وحركة الإخوان المسلمين حركات أيديولوجية بالمعنى الحديث أكثر من كونهم حركات دينية دعوية أو تبشيرية بالمعنى التقليدي”، واستنادا على الفيلسوف السياسي فرنسوا دورتييه في توضيح الفرق بين الأيديولوجية والدين إن هناك “تداخلا كبيرا بين الدين والأيديولوجية كأنساق معرفية، فكلاهما يتشارك في ذات الخصائص ويؤدي الأدوار نفسها، كإضفاء الشرعية السياسية والاجتماعية والتحريك الجماهيري وتوجيه السلوك والضبط الأخلاقي والقانوني”
 
بينما يكمن الاختلاف الأساسي بين الأيديولوجية والدين، في وجود لحظة مؤسسة للأيديولوجية داخل التاريخ غير مرتبطة بنشأة الدين نفسه، باعتبار الدين نسق معرفي يهيمّن على التاريخ ويشير دائما إلى وجود لحظة خارجه، “فالأيديولوجية سواء الدينية أو العلمانية، كما يوضح فرنسوا دورتييه؛ هي استجابة إنسانية تاريخية، بحيث أنها تبدأ في التاريخ وتنتهي فيه، وهي استجابة لأزمات أو توترات أو صراعات خلقت حاجة جماعية، لإعادة سرد التاريخ وتأويله، وتقييم الحاضر والاشتباك معه بأفكار وأدوات جديدة”
 
ويضيف دورتييه “إن الأيديولوجية بصفة عامة تبدأ بلحظة تاريخية حرجة، لحظة تاريخية تفرضها ظهور مشكلة ما -توترات، انكسارات، تهديدات، صراعات- وبعدها يبدأ البحث عن حلول جماعية”
 
إلا إنه خلال البحث عن حلول جماعية -وعلى عكس العلوم التقنية والتطبيقية التي تبدأ في تجزيئ المشكلة، والبحث عن حلول ملائمة لكل مشكلة على حده، فإن الأيديولوجية تنزع إلى إدماج جميع المشاكل في مشكلة واحدة لتختزل بالتبعية جميع الحلول في صيغة واحدة نهائية، هذه الاستجابة -الاختزالية ربما- هي نواة كل أيديولوجية، حيث تُساعد هذه الرؤية للأمور على تقسيم العالم إلى قسمين: الشر والخير، الخطأ والحقيقة، العدو والصديق.. أو بتعبير أوضح: تقسيم العالم إلى: المشكلة وحلها.
 
وهو ما انعكس بشكل واضح على أيديولوجية الإسلام السياسي بشقيّه الرئيسيّن السلفي والإخواني وطبيعة نشأتهما.
 
الإسلام كأيديولوجية
 
بنفس تلك الفرضية التي وضحها فرنسوا نشأت أيديولوجية الإسلام السياسي، سواء في نسختها الوهابية السلفية أو نسختها الإحيائية الحضارية كما في حالة جماعة الإخوان المسلمين.
 
حيث تسرد السردية الأيديولوجية الوهابية وضعا قاتمًا للأوضاع الدينية في نجد في القرن الثامن عشر، فعلى سبيل المثال، حسين بن غنام المؤرخ السعودي، يذكر في كتابه “تاريخ نجد”، والذي يعد أحد الكتب الرسمية لتاريخ الحركة الوهابية، أنه قبل الشيخ ابن عبد الوهاب والحركة الوهابية السعودية “كان أغلب المسلمين -خصوصا في الجزيرة العربية- قد عادوا إلى الشرك والجاهلية الأولى، نتيجة لانتشار الجهل الديني والتحلل الأخلاقي وانقسام المسلمين إلى فرق متنازعة”، بالإضافة إلى معاناة منطقة نجد والحجاز بصفة عامة من التهميش السياسي وكثرة الحروب القبلية وكساد التجارة والاقتصاد.
 
فاختزل الوعيّ الأيديولوجي الوليد كل تلك المشكلات المتنوعة في مشكلة واحدة، وهى انتشار البدعة والابتعاد عن السُنة، والحل النهائي المثالي المطروح هنا هو العودة إلى السُنة وما كان عليه المسلمون الأوائل، عن طريق العمل على تطهير أرض الحجاز من مظاهر البدع والشرك أو كل ما يخالف نمط التديّن السلفي كحل لجميع مشكلات بلاد الحجاز.
 
بينما كان إلغاء الخلافة الإسلامية والاستعمار الأوروبي والتغريب والتحالف بين النخب العلمانية المصرية والمستعمرين هو ما دفع حسن البنا لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين وميلاد الأيديولوجية الإسلامية في طبعتها الاخوانية.
 
فيروي البنا عند انتقاله إلى القاهرة في عام 1923 لاستكمال تعليمه العالي، كيف صدمته الفجوة بين الحياة في بيئته الريفية والمجتمع الجديد الذي كان قيد التشكيل في القاهرة والمدن الحضرية والتي كانت تتعرض لفورة ثقافية وسياسية في أعقاب ثورة 1919.
 
يتجلى ذلك بوضوح في مذكراته وصف البنا الفترة التي قضاها في مصر في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وأشار إلى أنه في هذه الفترة “اشتد تيار موجة التحلل في النفوس وفي الآراء والأفكار باسم القضاء على الرجعية، ثم في المسالك والأخلاق والأعمال باسم التحرر العقلي، فكانت موجة إلحاد وإباحية قوية جارفة طاغية، لا يثبت أمامها شيء، وتساعد عليها الحوادث والظروف”
 
وبحسب الباحث محمد عفان فقد اتهم البنا الانقلاب الكمالي على الخلافة الإسلامية، والنخب العلمانية المصرية أنها تعمل على إضعاف الدين ونشر المادية الغربية، مضيفًا إن “البنا قد لاحظ بمرارة أن معسكر الانحلال والإباحية كان في حالة قوة وفتوة، بينما كان معسكر الفضيلة الإسلامية في تراجع وانحسار، لذا قرر أن يعمل هو بإيجابية، وأن يدفع الجماهير المتدينة إلى العمل سويا وبجدية للعمل ضد تيار الإلحاد والإباحية” وأن تأخذ هي زمام المبادرة.
 
ويضيف عفان أنه خلال التأسيس الثاني لجماعة الإخوان المسلمين في خمسينيات القرن الماضي، وإعادة إنتاج أيديولوجية الإسلام السياسي، بعد اغتيال مؤسسها، كان المنظر الأساسي في هذه الفترة سيد قطب يواجه تحديًا آخر، وهي الهيمنة الشمولية للنُظم العسكرية العلمانية التي نشأت عقب استقلال الجمهوريات العربية، ومحاولة إخضاع الديني لصالح السياسي.
 
موضحا أن “الحقبة الليبرالية في مصر قد انتهت على يد حركة الضباط الأحرار عام 1952، وأصبحت الأيديولوجية المعلنة في مصر بعد الاستقلال علمانية بوضوح: اشتراكية وقومية، وقد أنشأ الحكام الجدد نظام الحزب السياسي الواحد، والذي يمتاز بتركز السُلطة السياسية، وتضخم جهاز الدولة على حساب المجتمع المدني والأهلي”
 
فقد هيّمن النظام الجديد على كافة الأنشطة الاجتماعية -الاقتصاد، التعليم، الإعلام، الدين… إلخ- مدعوما بأجهزة أيديولوجية وأمنية ضخمة ومتوحشة، حيث برز على يد سيد قطب في المقابل مفهوم أيديولوجي جديد هو مفهوم “الحاكمية”، لنزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عن هيّمنة الأيديولوجية القومية الثورية على المجتمعات العربية والإسلامية.
 
فروق صغيرة.. عداوات كبيرة
 
على الرغم من أن السبب أو التحدي الأساسي الذي أدى لنشوء الأيديولوجية الإسلامية بنوعيّها السلفي الوهابي والإخواني، هو إحساس عام مشترك بأزمة تهدد الإسلام كما صورت كل السرديات المؤسسة للإسلام السياسي، إلا أن السياقات التاريخية التي نشأت فيها كل أيديولوجية على حدة شكلت اختلافات وفروقا مثلت للطرفين مع مرور الوقت بُؤر هويّة وتمايز أدى لمنع أي إمكانية للتعاون أو التنسيق بين الطرفين في ملفات قد تمثل مصالحا مشتركة.
 
ذلك أن تنامي سياسات العداء التي شملت أغلب تاريخ العلاقة بين الطرفين، خاصة من الجانب السعودي بعد نهاية فترة الستينيات وصولا إلى الربيع العربي وما بعده، تشير إلى وجود سبب أعمق في توليد حالة العداء والعنف الرمزي في علاقة الطرفين.
 
استنادًا على دراسات التحليل النفسي، دائما ما يتم الإشارة إلى مفهوم “نرجسية الفروق الدقيقة” وهو أحد المفاهيم الفرويدية المحورية في سيكولوجيا الجماعات، وقد استخدمه فرويد لشرح أسباب نشوء الصراعات البينية بين الجماعات التي قد يكون المشترك لديها أكبر من دواعي الفُرقة والصراع.
 
يوضح فرويد في كتابه “تابو العذرية”، حيث صك المصطلح أول مرة معترفًا أنه استفاد في تكوينه من الأنثروبولوجي الإنجليزي إرنست كراولي، حول ما أسماه الأخير تابو الفرادة الشخصية (the tapoo of personal isolation)، ما يقصده كراولي أن كل شخص يعتقد أن ثمة ما يفصله عن الآخرين عن طريق سمات واضحة ومحددة، وبحسب فرويد فإن “هذه السمات لا تمثل -لو حُقق في أمرها- سوى فروق دقيقة وأحيانا تكون مُتخيلة، مضيفًا بأن الفرد قد يلجأ إلى تضخيم الإحساس بتلك الفروق الدقيقة لكي تحفظ أناه الفردية وتوفر له الإحساس بالفرادة وتمنعه من الذوبان في الآخر أو في أي موضوع خارج عنه، وبالرغم أن تلك الفروق قد تكون دقيقة وغير حاسمة فعلا، إلا إنها تمثل للفرد حاجة ماسة وجوهرية، ويوّلد المساس بها حالة عدوانية وآلية دفاعية قد تكون غير عقلانية وتتسم بالعنف”
 
وفي كتابه الثاني “سيكولوجية الجماعة” راح فرويّد يوسع من نطاق عمل هذا المفهوم ليتجاوز العلاقات بين الأفراد، إلى العلاقات بين الدول والجماعات، أراد فرويد أن يوضح أهمية الدور الذي تلعبه الفروق الصغيرة بين الجماعات ذات الأفق المشترك، في تكوين هوية الجماعة وتقوية تماسكها الداخلي وتوجيه عدوانيتها وعنفها سواء المادي أو الرمزي إلى خارجها، فكلما وجهت الجماعة عدوانيتها وعنفها إلى الخارج كلما زاد تماسكها الداخلي، فقد تلجأ جماعة ما إلى تضخيم شعور أفرادها بتلك الفروق الدقيقة حتى تصبح بحد ذاتها معيار الولاء والانتماء للجماعة في مواجهة جماعة أخرى قريبة.
 
ينطبق ما طرحه فرويد هنا بقدر كبير هنا على فرقاء الإسلام السياسي الأساسيين، جماعة الإخوان المسلمين والجماعة السلفية عامة والحركة الوهابية السعودية خاصة، كما ينطبق بشكل أوضح على الجماعات المقاتلة في سوريا على سبيل المثال، فيمكن ملاحظة كيف شكلت الاختلافات البينية للطرفين إحساسًا متضخما بالتمايز والريبة عند كل طرف.
 
وبالعودة إلى الباحث محمد عفان فالأيديولوجية الوهابية عند ميلادها تشكلت بثلاثة محددات: “البيئة القبلية والتي سادت فيها تنظيمات سياسية تقليدية ما قبل حديثة، الموروث العلمي التقليدي الحنبلي على الأخص، انتشار الممارسات والمعتقدات المنحرفة شرعيا والتي تعتبر التحدي الأساسي الذي استجابت له الحركة الوهابية. ونتيجة لذلك، فإن الوهابية كانت حركة إصلاحية تقليدية، أسسها عالم شرعي حنبلي، مارست نمطا دعويًا وتعليميًا تقليديًا، واعتمدت على التحالفات القبلية أو الفتوحات في توسعها، ولأن التحدي الذي أسهم في نشأة الوهابية بحسب سرديتها كان تحدي عقائدي بالأساس، لذا فقد تبنت الوهابية أجندة إصلاحية دينية خالية من أي طرح سياسي أو اجتماعي”.
 
مضيفا “بخلاف البيئة التقليدية في نجد في القرن الثامن عشر، فإن الإخوان المسلمين تأسست في الدولة الحديثة الناشئة في مصر في الربع الثاني من القرن العشرين، تحديدا عام 1928. وفيما بين عامي 1922 و1952 -العقود التي توصف عادة بالحقبة الليبرالية في التاريخ المصري الحديث- كانت مصر دولة مستقلة قانونيا، تحمل صفات متداخلة من الحكم الملكي والديمقراطي، ففي عام 1923 أصدر الملك دستورا جديدا، يسمح بتأسيس حكومة برلمانية”، لكن السُلطة حقيقة كانت مقسمة بين ثلاثة أطراف: سلطة الاحتلال البريطاني، والملك، والبرلمان الذي كان حزب الوفد هو عادة حزب الأغلبية فيه.
 
وكاستجابة لذلك فقد أسس حسن البنا منظمة حديثة تتبنى أجندته الإسلامية، وقادرة على الانتشار والعمل في مجتمع حديث نسبيًا كالمجتمع المصري، فقد سعى لنشر أفكاره باستخدام أدوات متنوعة: الوعظ في أماكن غير مألوفة مثل المقاهي، وإصدار الصحف، وإنشاء مؤسسات خدمات اجتماعية: مدارس، عيادات، جمعيات خيرية… إلخ.
 
ونتيجة لذلك تكونت الخلايا في الجامعات والمصانع والمناطق، وخلال عشرين سنة صارت عضوية الجماعة تقدر بمئات الآلاف، وعدد المقرات يتجاوز الألفين في أنحاء القطر المصري فقط. بالإضافة إلى ذلك، فقد قام البنا -كمؤسس لحركة اجتماعية- بالعمل على تحديد رسالة وأهداف ووسائل جماعته، وكذلك منظومتها القيمية وأعرافها، ثم قام بتطبيق مختلف أدوات التنشئة الاجتماعية حتى ينضبط أعضاء الجماعة بأهدافها وقيمها ليضمن جماعة متماسكة وجيدة التنظيم.
 
إجمالا، يمكن القول إن العامل الأول الذي يفسر الاختلافات في الأفكار الدينية والسياسية بين الوهابية وبين أيديولوجية الإخوان المسلمين هو السياق التاريخي والتحديات المؤسِّسة لكل منهما، فالنمط الأول للأيديولوجية الإسلامية الإصلاحية كان سلفيا، حيث واجهت نظما ما قبل أيديولوجية، مثل التدين الشعبي والتقاليد المحلية؛ بينما على النقيض كان الإخوان المسلمين كتنظيم وكأيديولوجية في مواجهة قوي استعمارية وحركات أيديولوجية علمانية حديثة، مشكلين بذلك نمط تدين سُني يهتم أكثر بالجانب السياسي والاجتماعي والقيمي على حساب الاهتمام بالمسائل الكلامية والغيبية.
 
تطور أيديولوجي وضغط ومتزايد
 
لا يفوتنا هنا وقد استخدمنا مدخل التحليل النفسي في فهم جذور العداء بين الطرفين، أن نقر بدور البنية الأيديولوجية والمقاربات السياسية والتاريخية ودورها في تعميق هذا الخلاف.
 
فالانقسام الأيديولوجي والسياسي بين النظام السعودي وجماعة الإخوان المسلمين مُمتد في تاريخهما، على الرغم من التعاون بل والتحالف بين الطرفين في فترة الخمسينيات والستينيات، ضد عدوهما المشترك مُمثلا في النُظم العسكرية “الناصرية والبعثية”.
 
فقد رفض الملك السعودي عبد العزيز آل سعود -مؤسس الدولة السعودية الثالثة-طلب حسن البنا بتأسيس فرع لجماعة الإخوان المسلمين في السعودية، مما يدل على ارتيابه من نمط الخطاب والأيديولوجية الإسلامية التي يتبناها الإخوان المسلمين.
 
ولاحقا في أوائل التسعينيات وبعد فترة التعاون والتنسيق، أدي انتشار حركة الصحوة الإسلامية في السعودية، التي تعد حركة قريبة أيديولوجية من الإخوان المسلمين، إلي وضوح الفروق الدقيقة بين الجانبين، وما تمثله من أخطار على المشروعية السياسية للنظام السعودي وبنيانه الخطابي الوهابي.
 
خلال تلك الفترة بدأت تظهر خطورة الاختلافات البينية بشكل أوضح بين تصورات جماعة الإخوان والخطاب الوهابي، حيث تطورت الأيديولوجية الإخوانية على يد منظري الإخوان في الثمانينيات والتسعينيات وعلى رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي والشيح محمد الغزالي وراشد الغنوشي، لتصبح أكثر تقبلا لقيم الحداثة السياسية كالمواطنة والديموقراطية وتداول السُلطة.
 
مثلت تلك التطورات الإسلامية الإخوانية ضغطا أيديولوجيا متزايدا على الخطاب السلفي السلطاني الوهابي، والمشروعية السياسية السعودية التي ترفض التراتبية الحديثة والمعتمدة على نمط تقليدي من الشرعية السياسية، وشكل أبوي لعلاقة الدولة بالمجتمع، في الوقت الذى اكتسبت التطورات الفكرية للإخوان المسلمين جاذبية واسعة في الأوساط العربية المتدينة، لاشتباكها السياسي النقدي مع النُظم الاستبدادية.
 
شكلت تلك الفروق بين الخطابين، موضوع الصراع بعد اندلاع الربيع العربي، حيث كان للدور المحوري الذى لعبة الإخوان المسلمين خصمًا ليس في الدور السعودي في المنطقة فقط، ولكن خصمًا من الأيديولوجية الوهابية وخطابها المؤسس لشرعية النظام السعودي، وهو ما يفسر السياسات العدائية التي انتهجها النظام السعودي تجاه صعود الإخوان المسلمين واعتبارهم خطرا وجوديا على المملكة والدعم السخي للانقلاب العسكري في مصر، ودعم ميليشيات الحوثي والنظام القديم في اليمن، وصولا إلى حضور الإخوان وحماس في التصعيد الأخير ضد قطر الذي تتزعمه المملكة في سابقة تاريخية لم تعرفها دول مجلس التعاون الخليجي من قبل.