كتّاب

الإثنين,5 مارس, 2018
الوقوف على الأطلال.. عقدة العرب الأزلية

هاني حرب

في كل مرة أقوم بها بفتح وسائل التواصل الاجتماعية المختلفة من فيسبوك إلى توتير وغيرها أرى تلك الصور أو الفيديوهات التي تمجد الماضي وتقف على أطلال حضارة زالت، انتهت بل اندثرت إلى أبد الأبدين. قد يسألني القارئ عن هذا الماضي. من قام بتأسيس جامعة بغداد هو السوري ساطع الحصري! من ساهم بتأسيس الأمم المتحدة هو السوري الدكتور عبد الرزاق قدورة! من قام بكتابة هذا، أو اكتشاف ذاك هو ذلك العالم المصري، السوري، المغربي، المسلم…

حتى تاريخيا، لم نستطع نشر اختراعاتنا واكتشافاتنا واحتجنا لشركة إنكليزية بتمويل خليجي لإنتاج عمل عن ١٠٠١ اختراع واكتشاف خلال الحقبة الأموية والعباسية بداية الحقبة العثمانية. إلى اليوم وعند سؤالي لأطفال المدارس العربية من مختلف الدول، لن يعرفوا تماما من هو ابن الهيثم، أو الرازي، او ابن خلدون أو الفزاري مخترع الاسطرلاب أو حتى ابن حيان والجزري. رغم ذلك نتغنى بهم صبحا ومساء منطلقين فقط من نزعة إسلاموية وتعصب أعمى لتلك الفترة الزمنية.

في أخر ٥٠ سنة مضت لم يتم الإشادة بأي عالم عربي إلا بالدكتور الراحل أحمد زويل وذلك فقط لحصوله على جائزة نوبل في الكيمياء. إضافة إلى ذلك نرى الأديب العالمي طه حسين وكذلك فقط لحصوله على جائزة نوبل في الآداب. لماذا لا نستطيع الإشادة بعلمائنا الحقيقين. لماذا مازال اسم العلم مرتبطا ارتباطا وثيقا بالشيوخ والواعظين الدينيين. لماذا لا نستطيع تجاوز تلك العقبة التاريخية التي أوجدناها بأنفسنا منذ أكثر من خمسة أو ستة حيث كان العلم الدنيوي والعلم الديني شيئان لا ينفصلان في حلقات العلم والتعلم، حيث مازلنا نشير حتى اليوم إلى علماء الدين “بالعلماء” ونهمل العلماء الحقيقيين الذين يتعبون يوميا بمختلف التخصصات في مختلف الجامعات العالمية.

ننسى الكثيرين من العلماء ونتجاهلهم على حساب “علماء” الدين ومشايخها فكأن الدين فقط هو الذي يرتقي بالحضارة وكأن الدين فقط هو الطريق الأوحد للتطور البشري والتقدم الحضاري

هل نحن الملامون؟ هل نحمل داخلنا عقدة ذنب؟ أو عقدة دونية معينة لا نستطيع من خلالها أن نرى الإنجازات الرائعة التي يقوم بها العلماء العرب بمختلف التخصصات بأصقاع المعمورة المختلفة؟ هل تحددت رؤيتنا للأمور لدرجة كبيرة لنرى فقط أن العلوم الدينية رغم ردائه مستوى المسيطرين عليها هي العلوم الوحيدة في العالم. يمكننا أن نتفهم أن “علماء” الدين هم علماء في تخصصهم، ولكن أن ننسى علماء التخصصات الأخرى حتى يصلوا إلى درجة أن يقوموا بنقل انتمائهم للدول التي رعتهم وأشادت بهم. نتهم الغرب يوميا بسرقة العقول العربية، وننسى دائما أننا نحن، ولا أتكلم هنا عن الحكومات العربية، كشعوب عربية قمنا بإبعاد هؤلاء العلماء والباحثين إلى ذلك الغرب. ننسى دائما أننا نسينا أنهم علماء، نسينا أنهم باحثون، نسينا أنهم مجاهدون في سبيل العلم. اقتصرت رؤيتنا خلال أكثر من مئتي عام وأكثر على العلوم الدينية ونسينا أو تناسينا العديد من مؤثري الحداثة والعلوم الحديثة كرفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وعبد الرحمن الكواكبي. اليوم وفي قمة الانحدار الأخلاقي، العلمي، القيمي لشعوبنا العربية، لابد لنا إلا أن نبحث عن هؤلاء العلماء فهم منارة الطريق وهم فقط شعلة الوصول إلى مصافي الدول الطبيعية، ولا أقول المتقدمة، لنستطيع أن نستمر في الحياة.

بعد بداية الربيع العربي عام ٢٠١١ في تونس، وما تبعها من ثورات عربية في مصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين، ناجحة كانت هذه الثورات أم خاسرة، بدأ الشباب العربي بشكل عام بالبحث عن أفكار جديدة، عن تطلعات جديدة وأمثلة ناجحة جديدة ورأى في العديد من العلماء والباحثين كالدكتور الراحل أحمد زويل منارة لها. في العام ٢٠١٢ و٢٠١٣ بدأت العديد من المبادرات العربية التي تسعى لرفع سوية الثقافة العربية بشكل عام ودعم العلم والتعليم كمبادرة الباحثين السوريين، مبادرة الباحثين المصريين، مجموعات الترجمة المختلفة التي بدأت لترجمة العلوم كخطوة أولى للبدء بإنتاج العلم. للأسف نسيت هذه المبادرات أو تناست بشكل أو بآخر أن العلم المنتج عربيا موجود بالفعل حتى وإن كان هذا العلم منتجا تابعا للجامعات الغربية المختلفة.

نسيت هذه المبادرات أن هنالك آلاف العلماء العرب من لبنانيين وسوريين ومصريين وجزائريين وأردنيين وعربا من جميع الأعراق والأجناس يعملون وينتجون علما على أرفع صوره وأبهى تقنياته. فمثلا هنا في جامعة هارفرد فإن رئيس قسم الطب المخبري والعلوم المخبرية لمشفى الأطفال الجامعي سوري الجنسية، ورئيس قسم علوم المناعة في ذات المشفى لبناني المنشأ، أما رئيسة قسم علوم الاتصالات في جامعة ال “MIT” فهي سورية الأصل درست في جامعة دمشق قبل انتقالها إلى بوسطن لإكمال دراستها. لم يتم الإشارة إلى أبحاثهم، تم إهمالهم، تم تجاهلهم من قبل دولهم، من قبل المبادرات المختلفة التي نشأت ومن قبل الشباب العربي ككل.

ننسى الكثيرين من العلماء ونتجاهلهم على حساب “علماء” الدين ومشايخها فكأن الدين فقط هو الذي يرتقي بالحضارة وكأن الدين فقط هو الطريق الأوحد للتطور البشري والتقدم الحضاري. ما وصلنا إليه اليوم ليس لابتعادنا عن ديننا بالمفهوم التقليدي للكلمة ولكن لابتعادنا عن تعاليم الدين المبني على الأخلاق والعلم. أول آية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم كانت “اقرأ”. للأسف ابتعادنا عن القراءة عن العلم عن البحث العلمي عن التفكير المنهجي السليم، كل هذا أوصلنا وسيوصلنا أكثر إلى درجات أعمق من الانحطاط الأخلاقي والبشري.

علينا نحن، الشباب العربي، القيام بنهضة علمية حقيقية جديدة، تقوم على العلوم الحقيقية المدعمة بالدلائل والبراهين، والابتعاد عن العلوم الزائفة. العلم هو الطريق للنهوض بمجتمعاتنا من جديد، العلم هو الحل للكثير من المشاكل التي تواجه دولنا ومجتمعاتنا ومحيطنا الاجتماعي والاقتصادي. العلماء الحقيقيون موجودون بيننا، ينتظرون الفرصة لتقديم العون والمساعدة لمن يرغب، لتقديم الأفكار، الحلول، والعمل على نهضة الشباب العربي من جديد ليكونوا في طليعة التقدم والتطور.