الرئيسية الأولى

الإثنين,16 مايو, 2016
«النهضة التونسية»: من شمولية حسن البنا إلى خصوصية راشد الغنوشي

الشاهد _ في السابع من ماي  2016، أعلن رئيس حركة «النهضة» التونسية، «راشد الغنوشي»، أن حركته بصدد التحول إلى حزب يتخصص في العمل السياسي؛ حين قال «نحن بصدد التحول إلى حزب يتفرغ للعمل السياسي، ويتخصص في الإصلاح انطلاقًا من الدولة، ويترك بقية المجالات للمجتمع المدني؛ ليعالجها، ويتعامل معها من خلال جمعياته ومنظومة الجمعيات المستقلة عن الأحزاب، بما في ذلك النهضة».

بهذا الإعلان، يؤسس الغنوشي، مرحلة جديدة في تاريخ الحركة الإسلامية بالعالم العربي، على مستوى التمييز بين الدعوي والسياسي، تاركًا وراء هذه الإعلان قضايا جدلية، لم تُحسم بعد.

هُجران الدعوة إلى السياسة

ترجع بدايات الحركة إلى أواخر الستينيات، تحت اسم الجماعة الإسلامية، التي أسسها الغنوشي مع عدد من الإسلاميين التونسيين، واستمرت في تنظيم اجتماعاتها بشكل سري، ثُمّ تغير اسمها عام 1981 إلى حركة الاتجاه الإسلامي.

وفي فيفري 1989، أعادت الحركة تشكيل نفسها في صيغة أخرى، وهي «حزب النهضة»؛ للتقيد بقانون الأحزاب، الذي يمنع «إقامة أحزاب دينية وحققت اكتساحًا في الانتخابات البرلمانية، لكن جرى تزوير أصوات الناخبين، وتتبع قادتها وإصدار أحكام قاسية ضدهم، وظل معظمهم بين المنافي والسجون».

الشمولية التي تأسست عليها حركة النهضة التونسية، بدا أنها تواجه مُعضلة سياسية وأخلاقية، جعلت راشد الغنوشي، يؤسس لمرحلة جديدة يتمايز فيها الدعوي عن السياسي، تأسيسيًا من أن منطق السياسة، يختلف عن منطق الدعوة، وأن خلط الأحزاب الإسلامية بين الأمرين أساء لأدائها السياسي والديني في الوقت نفسه، إضافة إلى أن العالم يعيش نهاية الدولة الشمولية، وكذلك الأحزاب الشمولية.

يُذكر أن «مجلس شورى الحركة»، يتكون من 150 عضوًا، 100 ينتخبهم المؤتمرون بالاقتراع السري المباشر، وفي أول دورة لمجلس الشورى يختار 150 آخرين على أساس تمثيل الجهات، والمهجر، والشباب، والمرأة، والكتلة النيابية، والفريق الحكومي للحزب. و ينعقد مجلس الشورى كل ثلاثة أشهر، أو كلما دعت الضرورة بدعوة من رئيسه، أو ثلث أعضائه أو بطلب من رئيس الحركة.

وبدأت الدعوات نحو طرح موضوع الفصل بين الدعوي والسياسي في عمل النهضة للنقاش الداخلي للحركة، منذ أكثر من سنة ونصف، فيما كانت الخطوة العملية نحو هذا الأمر بتحديد موعد المؤتمر القادم للحركة، والمقرر في أواخر ماي الجاري؛ للفصل في هذا الأمر بين أعضائه.

في كتابه «الحريات العامة والدولة الإسلامية»، أسس راشد الغنوشي – الذي يُعتبر أيضًا المنظر الأول للحركة – تصورات عن هذه القضايا الجدلية التي تعيشها عموم الحركات الإسلامية، كانت كفيلة بأن ينقل الحركة، على مستوى المُمارسة، خطوات عديدة، والتي كان أبرزها التمييز بين الديني والسياسي.

كذلك كانت إحدى التصورات المُخالفة لما هو سائد عند عموم الحركة الإسلامية، في العالم العربي، تصوره لمسألة الخلافة الإسلامية؛ إذ يؤكد ـ في الكتاب ـ على أن «الخلافة ليست مسألة شرعية، بل قضية محل اجتهاد، وليس عليها إلزام شرعي وفقهي، وأن دور الدولة، ليس فرض الإسلام أو نمط معين على المجتمع، ولكن مهمتها حفظ الأمن العام، وحماية الحريات، وإقامة العدل»، وهو ما يوثقه التعهد الصادر عن الحزب، في أعقاب الفوز بأغلبية انتخابات 2011؛ لتشكيل الدستور بإقامة مجتمع علماني متعدد.

هل سيظل أعضاء الحركة هم أنفسهم أعضاء الحزب؟

يُعتبر مقر الحركة، هو نفسه مقر الحزب، وهي الصيغة السياسية للحركة ذاتها، منذ عام 1989، وأعضاء الحركة هم نفسهم أعضاء الحزب، وذلك خلافًا للصيغة السياسية التي كانت عليها جماعة الإخوان المسلمين في مصر؛ إذ التمييز بين الجماعة الرئيسة، التي كان يُمثلها مقر «مكتب الإرشاد للجماعة» بالمقطم، واجتماعاته (اجتماعات مكتب الإرشاد، واجتماعات مجلس الشورى)، وقيادتها، وحزب «الحرية والعدالة»، بمقاره المختلفة، وأعضائه واجتماعاته الموازية.

إلا أن تمييزًا بين السياسي والدعوي حدث داخل حركة النهضة، ظهر في انتخابات 2011؛ إذ توقفت الحركة عن استخراج بطاقات الانتماء لها، وهو الأمر المرتبط بالحيطة والحذر؛ من أن يدخل في الحركة باحثون عن منافع من وراء بطاقة العضوية.

هذا التمييز ـ ربما ـ يبرز بصورة فعلية، مع الخطوة الجادة التي أقبلت عليها الحركة بشأن تحولها لحزب سياسي خالص، والذي من شأن هذا التمييز أن يفصل بين عضوية الحركة والحزب، وأن يحصر الأنشطة الدعوية والدينية والاجتماعية على الحركة، فيما تشمل مهام الحزب السياسي، الانخراط في الساحة السياسية؛ سعيًا وراء السُلطة.

من وجهة نظر «هاجر عزيز»، عضو حركة النهضة التونسية، في تصريحات لـ«ساسة بوست»، فإنّ الفصل بين الحزب والحركة، يعني عدم تدخل الحركة في رسم السياسات المُحددة والتفصيلية للحزب، أو تحديد مواقفه السياسية؛ «فالحزب له قيادة مستقلة «مجلس شورى ومكتب تنفيذي»، وله انتخابات تنظم هذه القيادة، وأقصى ما يقع من الحركة، في علاقتها بالحزب، نقاش عام في مجلس شورى الحركة حول المسار السياسي، لا يدخل فيما بعد التوجهات العامة، ولا يلزم الحزب وقيادته بشيء».

وتُضيف هاجر، التي ارتبطت بأفكار حركة النهضة، مذ كانت طالبة بالجامعة، عام 1984، أنّ «هذا الفصل ليس فصلًا، بما قد يجعل البعض يُطلق على هذا الأمر علمنة شاملة للحركة، لكنها تمييزًا بين كلا الاختصاصين؛ في سبيل صون وحماية أهداف الحركة الأساسية».

هل كانت أول حركة إسلامية تفصل بين الدعوي والسياسي؟

برزت إشكالية الديني والسياسي تلك، في عدد من التجارب السياسية التي خاضها إسلاميون في العالم العربي، بخاصة عقب الثورات العربية، بعد وصول أغلبهم للسلطة ، فيما كانت التجربة الأكثر تطبيقًا لمفهوم التمييز بين الدعوي والسياسي على مستوى الشعارات والممارسة العملية، حركة «التوحيد والإصلاح»، من المغرب، وهي تنظيم دعوي تربوي، وذراعها السياسي حزب «العدالة والتنمية». وتُعتبر الحركة الإسلامية الأوسع انتشارًا بين الفصائل الإسلامية، التي قبلت الانخراط في العملية السياسية بقواعده، تمييزًا لها عن جماعة «العدل والإحسان»، الأقوى تنظيمًا، والأكثر انتشارًا، لكنها تُقاطع النظام السياسي برمته.

يؤرخ الباحث الراحل «حسام تمام»، في كتابه «مع الحركات الإسلامية حول العالم»، تجربة حركة «التوحيد والإصلاح»، يقول «وفي سنة 1998، اتجهت الحركة إلى السعي لبلورة تصور واضح فى العلاقة مع الحزب، خاصة بعد النجاح في المشاركات الانتخابية، وهذا الأمر ظهر بقوة من خلال اتجاه واضح عند قياديي الحركة، إلى اعتبار أن الوظائف الأساسية للحركة هي الدعوة والتربية والتكوين، وأن الحزب هو تنظيم سياسي يهتم بتسيير الشأن العام».

وسعت الحركة لتطبيق سياسة التمييز بين الدعوي والسياسي، من خلال سياسة الفصل؛ إذ كان هناك استقلال تام على مستوى الإدارة بين الحركة والحزب، بالرغم من أن نحو 80% من أعضاء الحزب، وهم أعضاء بالحركة، لا يمثلون سوى 30% من العضوية العاملة بها.

وظهر هذا جليًا في عدم تدخل الحركة، في رسم السياسات المحددة والتفصيلية للحزب، أو في تحديد مواقفه السياسية؛ فالحزب له قيادة مستقلة (مجلس شورى ومكتب تنفيذي)، وله انتخابات تنظم هذه القيادة، وأقصى ما يقع من الحركة في علاقتها بالحزب، نقاش عام في مجلس شورى الحركة، حول المسار السياسي، لا يدخل فيما بعد التوجهات العامة، ولا يلزم الحزب وقيادته بشيء.