كتّاب

الجمعة,30 نوفمبر, 2018
النسوية في تونس: بين سطوة الاستبداد والنخبوية

لقد تمتع النضال من أجل حقوق المرأة في تونس بالتبجيل والاحترام كنجاح للمرأة في العالم العربي ككل. ومع ذلك، يغض العديد من المراقبين الطرف عن الأخطاء التي وقعت فيها الحركة النسوية والنضال من أجل حقوق المرأة في تونس، إذ تتميز الحركة النسوية في تونس بخصائص معينة تشكل المساحة النضالية من أجل المرأة؛ أحدها هو تحكم الناشطات النسويات من النخبة وإقصاء غالبية النساء من تلك المساحة، ما أدى إلى تحول النضال من أجل حقوق المرأة إلى منصة تتحدث منها كبار الشخصيات النسائية حول مطالبهن، واستثناء مطالب الأخريات.

ثاني أكبر تلك الخصائص هي هيمنة الرجال على مساهمات النساء وإنكار نضال النساء من أجل الوصول إلى حقوقهن، بالإضافة إلى العديد من المسائل الأخرى التي لم تتطرق إليها نقاشات الحركة النسوية.

التاريخ يعيد نفسه

في الثالث عشر من أوت 1956، ألقى أول رئيس للجمهورية التونسية، الحبيب بورقيبة، خطابًا شهيرًا، أقر فيه بدور المرأة التونسية الفعال في الثورة التونسية، ثم أعلن إصدار مجلة الأحوال الشخصية التونسية، وقد اعتبر الكثيرون تغييرات بورقيبة مجرد تقليد لما نادى به السياسيون الليبراليون من أمثال الطاهر الحداد ومصطفى كمال أتاتورك، وليس استلهامًا من النضال الطويل للمرأة في تونس.

قوبلت مجلة الأحوال الشخصية التونسية بالاحتفاء كإنجاز لبورقيبة، مع تجاهل الناشطات من النساء اللاتي ناضلن من أجل صدور تلك القوانين، ونادرًا ما تذكر كتب التاريخ المدرسية شخصيات مثل بشيرة بن مراد وراضية الحداد ومنوبية الورتاني، بل تنظر لبورقيبة كمنقذ المرأة ومحررها. كما أدت تلك الإصلاحات الليبرالية إلى نشأة النزاعات التي شقت صف المرأة في تونس، إذ أدت صورة بورقيبة وهو يزيل حجاب رأس إحدى النساء «لتحريرها» إلى معاداة عدد كبير من النساء اللاتي يعتبرن حجاب الرأس جزءًا أساسيًا من هوياتهن في المجال العام.

وسار زين العابدين بن علي على خطى سلفه واتخذ موقفًا متشددًا حيال الحجاب، إذ منع ارتداءه في جميع المؤسسات الحكومية ليظهر لحلفائه الغربيين التزامه بالعلمانية والديمقراطية، إذ يعتبر كثير من الغربيين الحجاب شعارًا للظلم والراديكالية.

ومع مساعي الباجي قائد السبسي لتحسين سمعته، اتخذ السبسي طريقًا مختصرًا بدعم حقوق المرأة، ولكن نفس السياسي الذي تعهد بحماية حقوق المرأة واحترامها انتفض من انتقادات محرزية العبيدي، النائب الأول لرئيس المجلس التأسيسي التونسي، قائلاً بنبرة ازدرائية إنها «ما هي إلا مرا لذلك ما ناخوش عليها» (ما هي إلا امرأة لذلك لا يعتد بكلامها).

ولكنها لم تكن المرة الوحيدة التي يُبدي فيها سلوكًا مزدريًا للمرأة، إذ صرح قبل ذلك بأن المرأة التي ترتدي النقاب لا يجب أن تغادر منزلها، مُشبهًا إياها بالغراب.

اختطاف نجاحات المرأة

استطاع بورقيبة إخضاع جميع المؤسسات الحكومية لسيطرته، ثم وسع تحركاته ليدمج ثلاث حركات نسوية رئيسية في كيان واحد يسمى «الاتحاد الوطني للمرأة التونسية»، والذي استغله لتجميل وجه حكومته كحكومة متقدمة حداثية ليثير إعجاب الغرب. ونتيجة لذلك، فقد قضى بورقيبة على الحركات الشعبية وحوّلها إلى حركة واحدة حكومية، وعلقت على ذلك إلهام مرزوقي، الناشطة النسوية التونسية، قائلة إن النساء يُستغللن لأغراض تتناقض مع مصالحهن ومصالح مواطناتهن.

وفي الثاني عشر من جوان 2018، أصدرت لجنة الحريات الفردية والمساواة التي أسسها الرئيس السبسي في الثالث عشر من أوت 2017 تقريرها النهائي، الذي دعا إلى إصدار قانون يمنح المرأة مساواة في حقوق الميراث، وهو القرار الذي يقع على عاتق البرلمان البت فيه.

وفي ظل تأسيس السبسي للجنة، فمن المستبعد أن يترك ما فعله أسلافه بالسطو على مجهوداتها ونسبها لنفسه. فبالإضافة إلى آماله في ترك سيرة جيدة، فإن اقتراح إنشاء اللجنة وفكرة المساواة في الميراث جاءا قبل الانتخابات البلدية مباشرة، وذلك بهدف الحصول على مزيد من الدعم العلماني لحركته للفوز على أكبر منافسيه حزب النهضة الإسلامي، فيما سيخسر الأخير أصوات قواعده المحافظة إذا أيد الاقتراح الجديد. وفي نفس الوقت، إذا قرر النهضة معارضة اقتراحات اللجنة، فإنه سيخسر دعم المؤسسات والديمقراطيات الغربية التي تعتبره حزبًا إسلاميًا تقدميًا يملك الاستعداد للتغيير.

محو ذوات البشرة السمراء

لقد وقعت الحركة النسوية في تونس ضحية للاختطاف والاستغلال والتلاعب السياسي، الأمر الذي خلخل أسس الحركة. وبالفعل، كان لزامًا على عديد من النسويات ترك الحركة أو الاختفاء من الساحة مع إحساسهن بأن الحركة لم تعد تمثلهن؛ ومن ثم فإن الحركة النسوية العامة في تونس أبقت على طابع النخبوية فيها بوعي أو بدون وعي.

من الثابت أن من يهيمن على المشهد النسوي هن النساء الحاصلات على شهادات جامعية، المنحازات للسياسات الليبرالية والحكومية ويعتنقن رؤية الحكومة لما أسميه «النسوية الخفيفة» التي تخدم النساء اللاتي يتمتعن بخلفية اقتصادية-اجتماعية وتعليمية معينة، ويبدو هذا ظاهرًا في المشهد النسوي التونسي وممثلات المرأة في مختلف المحافل.

وتعاني المرأة التونسية ذات البشرة السمراء من تلك الانتقائية، على الرغم من قدرتها على الحصول على مكانة اقتصادية-اجتماعية مرموقة، ولكنها لا تزال تعاني من الإقصاء في المنصات النسوية.

وتقول مها عبد الحميد، طالبة الدكتوراه التونسية والباحثة في الجغرافيا الاجتماعية القاطنة في فرنسا:إن المرأة السمراء لا تُدعى إلى المؤتمرات والمنتديات الخاصة بالحركة النسوية، ولا يوجد تمثيل لها.

ومع ذلك، ارتفعت أصوات الناشطات النسويات ذوات البشرة السمراء حول تلك المسألة، كما توجهن إلى النسويات التونسيات الأخريات لحثهن على علاجها، وللأسف قوبلت مساعيهن باللا مبالاة.

ولجذب الانتباه لتلك المسألة، نشرت مها على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات حول مشكلة العنصرية والاعتداء على النساء ذوات البشرة السمراء، ولكنها قوبلت بالتجاهل والاستنكار، وغالبًا ما تلقى ردًا بأن تونس لا يوجد بها عنصرية.

وتذكر سعدية مصباح، مؤسسة جمعية «منامتي» التي تهدف إلى مكافحة العنصرية في المجتمع التونسي والمدافعة عن حقوق المرأة السمراء، أنها توجهت إلى إحدى النسويات البارزات من أعضاء لجنة الحرية الفردية والمساواة للتحدث حول مسألة إقصاء النسويات السمراوات، وكان ردها الأول هو أن ذوات البشرة السمراء سيحصلن على قانونهن الخاص، مشيرة إلى قانون القضاء على التمييز العنصري المطروح أمام البرلمان لمناقشته، ولكن النظر إلى المرأة التونسية ذات البشرة السمراء على أنها «آخر» تحتاج إلى قانون خاص بها لمكافحة التمييز الجنسي يمثل إشكالية كبيرة، فإذا بحثنا في تقرير لجنة الحرية الفردية والمساواة، الذي قوبل بالحفاوة، فلن نجد أي بند يشير إلى ذوي البشرة السمراء.

وعلى الرغم من البيئة غير الودودة، فإن مصباح لم تتخلّ قط عن المشاركة في إصدار البيانات النسوية في تونس، موضحة أن على السمراوات تذكير الأخريات بوجودهن.

ولا يعاني ذوي البشرة السوداء في تونس من الإقصاء في الحركة النسوية فقط، ولكن من التجاهل في مجالات مختلفة، وينتج ذلك في الأساس عن نقص الوعي بالحاجة إلى التمثيل. وصرح المعهد الوطني للإحصاء أن أعداد التونسيين ذوي البشرة السمراء إجمالاً غير معروف، ولكنهم يمثلون حوالي 10% من المجتمع التونسي وفق التقديرات، فيما تشير مصادر أخرى إلى أنها 15%.

لقد تجاهل التقرير العظيم للجنة الحرية الفردية والمساواة، الذي يدعو إلى مساواة المرأة بالرجل، المطالبة بالمساواة بين المرأة التونسية ذات البشرة السمراء وغيرها من النساء، ويبدو أن على النسويات السمراوات التعامل مع نوع جديد من التمييز على أساس اللون وليس الجنس، ولكن في تلك المرة فإن النساء التونسيات هن من يمارسن هذا التمييز.

ليس للمرأة القروية

قالت مريم، التي عاشت معظم عمرها الذي تجاوز الـ 60 عامًا في ولاية سليانة، وهي ولاية زراعية، إن النسوية ليست لنساء مثلنا، نساء المناطق القروية. في الوقت الذي تتشكل فيه معظم القوى العاملة في الزراعة من النساء، وتتجاوز نسبتهن 70%، وتتلقى أغلب العاملات في المزارع الحد الأدنى من الأجور، ولا يتمتعن بأي تأمينات اجتماعية أو صحية، أو حتى أي أمل في التغيير في المستقبل القريب. ولا تشعر تلك النساء بانخفاض حجم تمثيلهن فحسب، ولكن بتجاهل الناشطات النسويات لهن تجاهلاً كبيرًا.

وتواجه تلك النساء أخطارًا عدة في أماكن العمل، تتراوح بين عدم الاهتمام بأحوالهن الصحية والتعرض للإصابات، وتظهر الإحصائيات غير الرسمية أن 10% من النساء العاملات تعرضن لحوادث مرتبطة بالعمل، وأن حوالي 63% منهن تعملن في ظروف شاقة للغاية، إذ تتعرض السيارات القديمة والمستهلكة التي يستخدمنها للحوادث والأعطال بسهولة على سبيل المثال، ويطلق البعض عليها سيارات الموت.

وعلى الرغم من استجابة وزارة المرأة في تونس لبعض المطالب من خلال إطلاق المبادرات والمشروعات، قوبلت احتياجات جوهرية أخرى بالتجاهل، إذ تعاني النساء في المناطق القروية من ظروف معيشية صعبة، فنقص الفوط الصحية يمنع الكثيرات من الذهاب إلى المدارس، لينتهي بهن الحال للالتحاق بسوق العمل كمزارعات أو خادمات في المنازل، في عمر قد يبلغ عشرة أعوام في بعض الحالات.

أكدت مريم على وجود هذه الظروف الحياتية الصعبة، وأضافت أن الناشطات النسويات لا يتذكرن القرويات إلا في يوم المرأة، ثم يتركنهن وحدهن ليقاسين المعاناة.

الأوهام والانقسامات

غالبًا ما تفخر الحركة النسوية المدعومة حكوميًا بأنها تدعم تمكين المرأة في التعليم والتوظيف، ولكن الإحصائيات تبين عدم صدق ذلك، إذ تشير التقارير إلى أن 40% من الحاصلات على درجات جامعية عاطلات عن العمل، وتصل تلك النسبة إلى 70% في بعض المناطق، وسجل إجمالي معدل البطالة بين النساء 22.7%، وهو ما يقارب ضعف نسبة البطالة بين الرجال 12.5%، ولا يرجع ذلك إلى انخفاض مستوى التعليم. ففي عام 2014، كان 67% من حاملي الدرجات الجامعية من النساء، فيما وصلت نسبتهن إلى 57% من إجمالي الحاصلين على درجات علمية في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

ولكن عند التوظيف، يتمتع الرجال بمتوسط أجور يرتفع بنسبة 271% مقارنة بنظيره للنساء، وذلك بسبب نقص التمويل المقدم لرائدات الأعمال، ولبيئة العمل التي تميز ضد المرأة، وعوامل أخرى، والتي ينبغي أن توليها الحركة النسوية التونسية الاهتمام.

ومع تزايد الشعور بعدم الانتماء للحركة النسوية، أصبحت الانقسامات في التضامن النسوي أكثر وضوحًا، ولا شيء يظهر ذلك مثل التظاهرات الأخيرة في تونس في 11 أوت، والتي تتظاهر فيها العديد من النساء ضد تقرير لجنة الحرية الفردية والمساواة، واصفات إياه بأنه هجوم على القيم التونسية والتعاليم الدينية، فيما تشككت أخريات في توقيت صدوره، وأنه يستغل لإلهاء البلاد عن عدم الاستقرار الاقتصادي والتقشف. وفي 13 من نفس الشهر، تظاهرت مجموعة أخرى من النساء لصالح التقرير ودوره الجوهري في إنشاء الجمهورية التونسية الثانية، واستخدم الطرفان وسائل التواصل الاجتماعي للدفاع عن آرائهن، ما مثل فرصة مثالية للطغاة لنشر الدعاية السياسية والفوضى.

وفي ظل صدور التقرير في 230 صفحة مكتوبة بلغة أكاديمية وبنصوص قانونية، الأمر الذي يحتاج إلى وقت طويل لتفكيك النص وفهمه، قررت الجماهير الاكتفاء بالملخصات غير الرسمية التي قدمتها الأحزاب المختلفة أو التي نشرتها وسائل التواصل الاجتماعي، ونتيجة لذلك تعرض الطرفان للخداع نتيجة الأخبار المغلوطة حول التقرير.

لقد حققت الحركة النسوية التونسية نجاحات عديدة في سبيل ضمان المساواة الكاملة بين المرأة والرجل. ورغم ذلك، يجب مراجعة المشهد النسوي بعمق أكبر، والتركيز على التوجه الشعبي، وفي نفس الوقت ينبغي الدعوة إلى المزيد من إشراك الفئات المختلفة؛ لتحقيق الشمولية من جانب، وعلاج المسائل الحرجة التي تواجه المرأة بطريقة أكثر كلية واستدامة من جانب آخر.

لقد حان الوقت لتكاتف التونسيات وتعزيز حركتهن، وإلا فإن سعيهن لتحقيق المساواة سيصل إلى طريق مسدود.

بقلم: محمد شخبة