مختارات

الإثنين,7 أكتوبر, 2019
الناخب يصوت للحكم لا للمعارضة

يبدو أن المعارضة أصبحت عقيدة سياسية عند نخبنا المناضلة ضد الاستبداد والفساد. كما يبدو عسيرا؛ من منظور علم النفس السياسي؛ التحول من موقع المعارضة المزمن إلى التطلع للحكم وانجاز المشروع السياسي الذي تؤمن به هذه النخبة؛ من دون جهد كبير. لذلك نلاحظ هذا الميل الطبيعي للاصطفاف في المعارضة، حتى أصبح الأمر شبيها برد الفعل الغريزي في العملية السياسية. فاذا كان الأمر على خلاف ذلك: ما الذي يدفع حزبا صاعدا مثل التيار الديمقراطي أو قوة سياسية عريقة مثل حركة الشعب أو حتى “حالة وعي” على غرار ائتلاف الكرامة، ما الذي يدفع كل هؤلاء لإعلان اصطفافهم في المعارضة قبل حتى التأكد من المقاعد التي تحصلوا عليها؟

فعندما يتوجه المترشحون طالبين تزكية الناخبين فإنهم يعرضون عليهم برنامجهم للحكم وليس للمعارضة؛ لذلك عندما ينالون الثقة فإن انتظارات ناخبيهم أن يروا مطالبهم وقد تحققت في الواقع. فهل يكون استباق مفاوضات تشكيل الحكومة بإعلان التموقع ضمن المعارضة خطوة أولى للانحراف على إرادة الناخبين؟

كما من المفترض أن أي تحالف حكومي يكون مبنيا على برنامج عمل مشترك وليس بالضرورة بناء على مشروع سياسي واحد. لذلك كان مفترضا بداية أن تتأخر مواقف المشاركة أو المعارضة إلى حين مناقشة ما سيطرح من برامج للعمل الحكومي، وقد كان في ذلك مثال في حوار وثيقة قرطاج التي شاركت فيها بعض أحزاب المعارضة. فهل يكون مجرد الموقف الإيديولوجي أو الحزبي المسبق كاف لإعلان مثل هذا الموقف؟

عندما أثير هذه الاشكاليات فإنني لا أدعو ضرورة للانخراط الآلي في الحكومة القادمة وإنما انطلاقا من المعطيات التالية:

الأحزاب ليست سوى أدوات لخدمة الصالح العام، لذلك يكون المحدد في الموقف السياسي هو مصلحة البلاد ونجاح التجربة الديمقراطية.

إن المفاوضات السياسية هي الأداة الأولى لإدارة الحياة السياسية وحيويتها؛ والمصادرة المسبقة على أية فرصة للتفاوض تقتل العمل السياسي وتفقده حيويته؛ وبالتالي تضعف ثقة المواطنين في جدوى العمل الحزبي والسياسي.

إن الأحزاب تترشح للانتخابات لتحكم بشكل منفرد أو في اطار تحالفات وأن الذهاب للمعارضة نتيجة وليس منطلقا؛ لذلك لا يجب أن يضمر أي طرف الذهاب للمعارضة في الوقت الذي يعرض فيه نفسه على الناخبين باعتباره قادرا على الحكم.

ما أفرزته تشريعية 2019 يعتبر فرصة جديدة لإعادة اطلاق مسار البناء الديمقراطي بسحب الثقة من قوى الفساد والردة؛ والتفريط في هذه الفرصة ستتحملها كل القوى الديمقراطية بما في ذلك حركة النهضة ومن اختاروا المعارضة استباقيا.

بناء التحالف الحكومي تتحمل عبئه أساسا حركة النهضة لذلك عليها تقع مسؤولية الاتصال والمبادرة وضبط النفس والاجتهاد الأقصى للتوضيح والاعتذار وخفض الجناح بناء على رؤية مرنة تستطيع ان تستوعب كل الخلافات.

أخيرا طريق التحالف صعب وقطعه ضروري؛ غير ذلك هو مزيد من تعميق الأزمة السياسية في البلاد وتحمل مسؤولية أي انزلاق اجتماعي يمكن أن يحدث في البلاد.

رياض الشعيبي