كتّاب

السبت,1 أبريل, 2017
المسلمون الديمقراطيّون… ما بعد الإعلان

 

مصطلح “الديمقراطية المسيحية” نشأ في القرن التاسع عشر بينما نشأت الأحزاب الديمقراطية المسيحية بعد الحرب العالمية الثانية كردّ فعل مباشر على تزايد حالات البؤس و الفقر رغم وجود أحزاب يساريّة و إشتراكيّة في السلطة في تلك الفترة، وهي ليست حالة إستثنائيّة في دولة أو إثنتين بل في نحو 80 دولة أوروبيّة و لاتينيّة و آسيوية و إفريقيّة. المؤرّخون الأوروبيّون يقولون إنّهذه النشأةإرتبطت في البداية بالعمل الإجتماعي ثم تحوّلت إلىالمجالالسياسي وهو ما يشبه لأبعد الحدود نشأةبعض الحركات الإسلاميّة التي ظلّت على عكس هذه الأحزاب مقصيّة من العمل السياسي تحت شعارات التقدّمية و الحداثة.

في الوقت الحالي، يعد حزب الشعب الأوروبي، ذو التوجه الديمقراطي المسيحي، أكبر مجموعة برلمانية في البرلمان الأوروبي منذ عام 1999، ويشكل الأغلبية في المجلس الأوروبي منذ عام 2002، وهو أكبر حزب في الاتحاد الأوروبي. ويتكون من أكثر من 70 حزبًا عضوًا من 40 دولة، وأغلب رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي ينتمون له، وله 13 عضوًا في المفوضية الأوروبية.

ترتكز الفلسفة الديمقراطية المسيحية على المحافظة على الأخلاق والقيم المسيحية، والأخذ ببعض الأسس في النظرية الليبرالية، وبعض الأسس الاشتراكية، وتُصَنَّف الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا ضمن أحزاب يمين الوسط، عكس نظيرتها في أمريكا اللاتينية التي تُصنّف ضمن يسار الوسط، كما أن الأحزاب المسيحية في أوروبا تختلف عن الأحزاب المحافظة اليمينية الأنجلو – سكسونية، حيث تستمد الأولى محافظتها في السياسات الاجتماعية، المتعلقة بالزواج والإجهاض، وغيرها من المبادئ الدينية المسيحية، في حين لا تستمد الثانية محافظتها من تلك المبادئ بالضرورة.

حركات الإصلاح الاجتماعي المسيحية التي هدفت لإصلاح المجتمع الأوروبي، التي كانت الخطوات الأولى لنشأةوتأسيس الأحزاب الديمقراطية المسيحية المعروفة حاليا نجحت في المناطق الريفية أكثر من المناطق الحضرية، وهذا أمر يكاد يتطابق مع الحركات الإسلامية التي ترفع شعار إصلاح المجتمع في الوطن العربي، التي بدأت فعليا نشاطها على هامش المدينة في العنوان الإجتماعي والأخلاقي المرتكز على مبادئ دينية بالأساس.

بدأت الحركات الإسلاميّة كردّ فعل على العلمانيّة التي ألقت بظلالها على العالم ثمّ تحوّلت إلى حركات إحتجاجيّة بالأساس مقموعة غالبا و إنتهت إلى الإقصاء تماما و الشيطنة تحت عناوين الحداثة الغربيّة نفسها التي قبلت بوجود أحزاب مسيحيّة ديمقراطيّة، فكانت منافي الإسلاميين في هذه الدول تجربة فريدة من نوعها أتيحت لها للقيام بمراجعات كبيرة نحو إعادة فهم موقع و مهام هذه الحركات في الدولة الحديثة و في الزمن الديمقراطي أساسا لتكون الثورات فرصة أمامها لإثبات جدارتها في أن تكون كمثيلاتها الأوروبيّة قادرة على الإضطلاع بأدوار طلائعيّة.

في الوقت الذي تختلف فيه و تتقارب الحركات الإسلاميّة في الوطن العربي أو تتباعد يظهر جليا أن حزب حركة النهضة التونسي و العدالة و التنمية المغربي يضعان حجرا أساسا لممارسة سياسيّة وتقاليد سياسيّة جديدة في المنطقة لا فقط من خلال نزعتهما الواضحة نحو الإنخراط في التعددية و إدارة الإختلاف بالطرق الديمقراطيّة فحسب بل و من خلال المرونة الكبيرة التي أظهرها الحزبان في التماهي مع المطالب المباشرة للشعب و إجتماعيا وإقتصاديّا.

في حركة مفاجئة، تجاوز زعيم حركة النهضة التونسيّة الشيخ راشد الغنوشي الجميع بسرعة فائقة في ظرف متحرّك داخليا وإقليميّا ليعلن وضع أسس تعايش بالحوار مع الأحزاب العلمانيّة و بسرعة أكبر ليعلن خروج حزبه من مربّع الإسلام السياسي و ليس أي خروج بل خروج مؤسّس لتيار إسلامي جديد قريب جدّا من التيارات المسيحيّة الديمقراطيّة واضعا حجر الأساس للإسلام الديمقراطي، الذي لا يستمدّ مشروعيّة طرحه من التجربة التونسية الإستثنائية فحسب بل و من خلال دروس تجارب الإسلام السياسي في المنطقة.

إذا كان الأستاذ الغنّوشي قد وضع حجر الأساس للإسلام الديمقراطي من الناحية النظريّة فإنّ هذا البناء يتطلّب جهدا مزدوجا على المستوى النظري لتأصيل هذا التوجّه وتعميده فلسفيا و فكريا حتّى يسهل تنزيله و ترويجه بين أبناء الحركة الإسلاميّة أولا ومعارضيها أو منتقديها ثانيا و على المستوى التنظيمي الذي يفترض تجاوز حالة “الإسلام الإحتجاجي” و “التنظيم العقائدي” إلى تنظيم سياسي مدني متخصّص في إدارة الشأن السياسي ضمن شروط الحفاظ على الديمقراطية أولا  وأن يتقبل التنظيم مرونة الخط السياسي و أن يتماهى معه بلا تردد ولا تلاكاء ففي النهاية صنعت التنظمات الحزبية لخدمة مشروع سياسي .

في المستوى الأوّل ستكون ترجمة الإسلام الديمقراطي إلى فلسفة سياسيّة مهمّة المثقّفين الذين يجب أن يقفوا على حدود نقد جذري لتاريخ التجربة و الحركات الإسلاميّة في المنطقة و على حدود نقد جذري أيضا لفلسفة التنوير الأوروبي التي تنبع منها جذور التهافت على نقد الدين والخطاب الديني و هو موقع أدركه الأستاذ الغنّوشي مبكّرا.

في المستوى الثاني فإن إدراك الأستاذ الغنوشي لذلك الموقع الذي يمكّنه من التنظير و التأصيل الفكري و الفلسفي لتيار الإسلام الديمقراطي يتطلّب أدوات لترجمته في جملة سياسيّة تتجه نحوالداخل و الخارج، و تنعكس تنظيميا و على الممارسة بالنسبة لحركة النهضة و ديمقراطيا إجتماعيا على المستوى الوطني.

مراحل التأسيس الأولى تكون عرضة للنقد و التقويم و لضعف وسائل الترجمة و البيان و لكنّ النجاح لا يرتبط بهذه الوسائل فحسب فقد أثبت منحى التطوّر الذي تعيشه حركة النهضة أن لتيار الإسلام الديمقراطي موقع و شأن وطني و إقليمي و ربّما دولي وهو أمر يحتاج إلى إعادة نظر من طرف الحركة في وسائل وطرق التعبير عن نفسها أوّلا و في آليات تنزيل هذه الفكرة داخلها ثانيا حتّى تتمكّن كالأحزاب المسيحيّة الديمقراطية من الإضطلاع بأدوار أكثر طلائعيّة في المنطقة.