ملف الشاهد

الأربعاء,19 أبريل, 2017
المجلس الأعلى للقضاء…جدل حول دستوريّة القانون و مخاوف من تسرّب السياسة إلى القضاء

بعد أشهر من الجل و تبادل الإتّهامات بين السلطة التشريعيّة و التنفيذيّة و هياكل السلطة القضائيّة فيما ما بات يعرف بأزمة إرساء المجلس الأعلى للقضاء، صادقت لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب على مشروع القانون الأساسي المتعلق بتنقيح وإتمام القانون المحدث للمجلس الأعلى للقضاء برمّته، بعد أن إستمعت إلى مختلف الأطراف القضائية المعنية بالموضوع.
 
المصادقة على المبادرة التشريعيّة الحكوميّة تمّت وسط مقاطعة عدد من نواب المعارضة للجنة التشريع العام، بعد مشادات وملاسنات بين نواب عن الجبهة الشعبية ورئيس اللجنة النائب الندائي الطيب المدني وقبلها أعلن حسونة الناصفي النائب عن حركة مشروع تونس مقاطعته أشغال هذه اللجنة احتجاجا على طريق تسيير رئيسها للجلسات.
 
الفصول المعدّلة:
 
التعديلات الجديدة التي صادقت عليها لجنة التشريع العام، تتعلق بالتنصيص في الفصل الأوّل على إمكانية انعقاد جلسة ثالثة إذا تعذّر انعقادها في مناسبتين على ألا يقلّ الحضور عن الثلث وبإضافة فقرة ثالثة للفصل 73 من القانون الأساسي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء، والذي ينصّ على الإجراءات المتّبعة لسدّ الشّغور، فقد تمّ الإتفاق على تعديله ليصبح فصلا جديدا في سياق الأحكام الانتقاليّة، يتمّ العمل به استثنائيّا و تم في المقابل إلغاء الفقرة الثانية من الفصل 73 من القانون المذكور، التي ورد فيها بالنص “يدعو رئيس الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي لانعقاد أول جلسة للمجلس في أجل أقصاه شهر من تاريخ تسلمه نتائج الانتخابات”، أمّا فيما يتعلّق بجهة الدعوة لانعقاد الجلسة الأولى وآجالها فقد تمّ التنصيص على وجوبيّة الدعوة وإمكانيّة أن تتمّ من قبل أحد نائبي رئيس مجلس نوّاب الشّعب إن تعذّرت من قبل رئيس المجلس، وتحديد آجال الدّعوة بسبعة أيّام.
 
ثلاث طعون في دستوريّة القانون:
 
مباشرة إثر مصادقة لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب على التعديلات المقترحة في المبادرة التشريعيّة الحكوميّة لحلحلة أزمة المجلس الأعلى للقضاء إنطلق عدد من نوّاب المعارضة في جمع التوقيعات للتقدّم بطعن لدى الهيئة الوقتيّة لمراقبة دستوريّة القوانين.
 
نوّاب من المعارضة نجحوا في تجميع العدد القانوني للتوقيعات و تقدّموا بطعن لدى الهيئة الوقتيّة لمراقبة دستوريّة القوانين غير أن الهيئة عجزت عن البت في الإشكال العالق بسبب أزمة في تركيبتها إثر إحالةعضوين منها علىالتقاعد وتجريح عضو ثالث في نفسه.
 
 
و بقطع النظر عن سقوط أو إسقاط الطعن فإن جمع توقيعات النوّاب صلب مجلس نوّاب الشعب للطعن في دستوريّة التعديلات التي تمت المصادقة عليها صلب لجنة التشريع العام على قانون المجلس الأعلى للقضاء يرفع القانون للمرّة الثالثة منذ بداية مناقشته في من طرف السلطة التشريعيّة سنة 2015 للمرّة الثالثة إلى أنظار الهيئة الوقتيّة لمراقبة دستوريّة القوانين.
 
و كانت الهيئة الوقتيّة لمراقبة دستوريّة القوانين قد أصدرت حكمها مرّتين، في 8 جوان و 23 ديسمبر 2015، للقضاء بعدم دستوريّة إجراءات مناقشة القانون المذكور و المصادقة عليه في إنتظار حكم ثالث قريبا سيشمل النظر في الفصول المعدّلة فحسب هذه المرّة وسط عودة الجدل بشأن إستقلالية السلطة القضائيّة.
 
السبسي يختم القانون للمرّة الثانية:
 
رغم التحركات الإحتجاجية التي خاضها القضاة وهياكلهم المهنية والمساندة التي لقوها من المجتمع المدني والطعون التي قدمها عدد كبير من النواب، فإن تنقيح قانون المجلس الأعلى للقضاء أصبح ساري المفعول بعد أن ختمه رئيس الجمهورية أمس الثلاثاء 18 أفريل.
 
وأمضى رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي على قانون المجلس الأعلى للقضاء في صيغته المنقحة أمس الثلاثاء وسط أخبار عن صدوره بالرائد الرسمي في ذات اليوم.
 
ويأتي ختم رئيس الجمهورية لهذا القانون بعد تسبب الخلل في تركيبة الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين وما يعنيه من عجزها عن أداء مهامها، في سقوط الطعون التي تقدم بها نواب عن 4 كتل برلمانية معارضة للطعن في دستورية قانون هذا المجلس بعد تنقيحه بمبادرة تشريعية من الحكومة.
 
وتتكون الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القانون من 6 أعضاء، تمت إحالة 2 منها على التقاعد في حين قام عضوها الثالث بالتجريح في نفسه بدعوى أنه أبدى رأيه سابقا في أزمة المجلس الأعلى للقضاء (جرّح في نفسه بمعنى أنه إعتذر عن النظر في مبادرة التنقيح بدعوى أنه لن يكون محايدا، كأن يعتذر قاض عن الحكم في قضية ما كانت المتهمة فيها إبنته).
 
أنس الحمايدي: “الحكومة تدخلت في القضاء وتسببت في لخبطة غير مسبوقة”
 
عبّر نائب رئيسة جمعية القضاة التونسيين أنس الحمادي عن إستغرابه من قرار رئيس الجمهورية ختم هذا القانون رغم دعوة القضاة لإمتناعه عن ذلك والطعون المقدمة من طرف النواب، إضافة لكونه الضمان لإحترام الدستور، مشددا على أن القضاء بات يعيش اليوم حالة من الفوضى واللخبطة غير المسبوقة.
 
وأكد أنس الحمايدي، في تصريح لـ”الشاهد”، أن جمعية القضاة التونسيين كانت قد دعت رئيس الجمهورية إلى عدم ختم القانون في آخر لقاء معه بقصر قرطاج، وبينت له أن طعون النواب في النواب جدية ومنطقية ولكنه أقدم على خطوة غريبة، وفق تعبيره.
 
وشدد أنس الحمايدي على أن تجريح عضو الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين في نفسه كان تحت ضغط سياسي كبير جدا من قبل الأحزاب الحاكمة، مشيرا إلى أنه سقط في تناقض كبير وأخطأ وتخلى عن مسؤوليته التاريخية المعهودة له عندما قال إنه سبق وإن أبدى رأيه في أزمة المجلس الأعلى للقضاء في إطار عضويته للهيئة الوقتية للقضاء العدلي والحال أنه كان من بين الأطراف التي نظرت في قانون المجلس والطعون المقدمة فيه سابقا.
 
وأضاف الحمايدي أن القضاة سيعملون بهذ القانون عندما يدخل حيز النفاذ ولكنه يبقى غير دستوري ولن يحل أزمة المجلس الأعلى للقضاء ولن يسلم من الطعن فيه مستقبلا، محملا المسؤولية كاملة للحكومة التي امتنعت عن ممارسة مهاهمها بسد الشغورات في الهيئات الدستورية، على حد قوله.
 
غازي الشواشي:” الهيئة حرمت النواب من ممارسة حقوقهم الدستورية “
 
من جانبه، قال النائب بمجلس نواب الشعب وعضو الكتلة الديمقراطية، أحدى الكتل المتقدمة بطعون ضد تنقيح قانون المجلس الأعلى للقضاء، غازي الشواشي إن الخلل في تركيبة الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين الذي أحدثه تجريح أحد أعضائها في نفسه هو الذي تسبب في سقوط الطعون بصفة آلية، مشددا على أنه خضع للضغوط السياسية.
 
وأكد غازي الشواشي، في تصريح لـ”الشاهد”، أنه بصدد دراسة السند القانوني لآلية التجريح التي استعملها عضو الهيئة، وقد يلجؤ،وبقية الكتل، إلى رفع قضية ضده في أقرب الآجال، موضحا من جهة أخرى أن النواب قاموا بمواجبهم ولم يعد بإمكانهم تغيير أي شئ نتيجة إستنفاذ الآليات القانونية التي من شأنها إيقاف العمل بقانون المجلس الأعلى للقضاء بعد ختمه من رئيس الجمهورية.
 
وأضاف الشواشي أن الخلل في الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين كان يفترض أن يتجاوز الأشخاص، وتمتنع عن النظر في هذه الطعون إلى حين تعديل تركيبتها، مشددا على أنها حرمت النواب من ممارسة حقوقهم الدستورية.
 
قيس سعيّد: السياسة تسللّت إلى القضاء وقصور العدالة
 
أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد قال في تصريح لـ”الشاهد” أن مصير قانون المجلس الأعلى للقضاء بعد الشغورات الحاصلة في تركيبة الهيئة وتجريح عضو منها في نفسه هو سقوط الطعون المقدمة بصفة آلية وإحالة القانون مباشرة إلى رئيس الجمهورية لختمه ثم دخوله حيز النفاذ.
 
وأكد قيس سعيد أن الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين يمكن أن تجتمع مرة أخرى وتنظر في القوانين بصفة عادية، مشددا على أنه ليس هناك أي مبرر لتجريح أي عضو آخر في نفسه، في إنتظار تكوين المحكمة الدستورية بعد الحسم في أزمة المجلس الأعلى للقضاء.
 
وأكد أستاذ القانون الدستوري أنه “لا يمكن إختصار المسألة في الجانب القانوني الظاهر، فبعد أن تم الحسم في قانون المجلس الأعلى للقضاء قد يكون تم الحسم في شرعية هذا المجلس وكيفية إنعقاده ولكن قضية السلطة القضائية واستقلاليتها أعمق بكثير من إختصارها في المسائل الإجرائية أو القانونية الخالصة، ومن ربح معركة الشرعية بالمعنى الضيق لا يعني أنه ربح المشروعية”، على حد تعبيره.
 
وأضاف قيس سعيد: “للأسف مسار القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء الذي إمتد على أكثر من سنة يدل على أن هناك إرادة بعدم الفصل بين السلطة السياسية والقضائية، فالسياسية تسللت عبر الفصول و بعض الفقرات إلى القضاء وقصور العدالة”.
 
وأشار قيس سعيد إلى إمكانية الطعن في دستورية قانون المجلس الأعلى للقضاء أمام المحكمة الدستورية، ولكن هناك تساؤل يجب طرحه هو هل ستنأى هذه المحكمة بنفسها عن الإعتبارات السياسية أم لا، مشددا على وجود حسابات سياسية حتى لا تكون الهيئات الدستورية خارجة عن إهتمامات السياسيين.