كتّاب

الإثنين,2 أكتوبر, 2017
المؤسسة الدينية في مهب رياح السياسة

بعد شهور قليلة يمكن أن تجلس المرأة السعودية أمام مقود سيارتها وأن تتجول في بعض مدن المملكة دون خوف من أن تعاقب وتتهم بأبشع التهم التي تقدح في دينها وخلقها وولائها السياسي والوطني.

شاركت مؤخرا في الاجتماع السنوي الذي نظمته “الرابطة العربية للتربويين التنويريين” عقد في تونس. وفي هذا اللقاء عبر د. رحيل غرايبة من الاردن عن نقده لأولئك الذين رحبوا بهذا القرار السعودي، ولم يكن ذلك بسبب اعتراضه على القرار وانما لكونه يثير الاستغراب ومشاعر الحزن، اذ في الوقت الذي توصل فيه العلماء الغربيون الى اختراع سيارة او قطار بدون وجود سائق، يأتي المثقفون العرب ليجدوا انفسهم مدعويين للترحيب بقرار تمكين السعوديات من حق السياقة.

مع ذلك فإن ما حصل يستوجب التوقف والتعليق والتحليل. ورغم أهمية السياق السياسي الاقليمي والدولي الذي يتنزل فيه هذا القرار الا أن ذلك لا يقلل من رمزية الخطوة التي قطعت في الاتجاه الصحيح.

ما أريد التوقف عنده هو الأسلوب الذي لجأت اليه المؤسسة الدينية في المملكة لتتجاوز حالة التسلل الذي دفعت اليه دفعا. لقد كانت هذه المؤسسة ولا تزال تعتقد بأنها مسؤولة على حماية المقدس والذي يتمثل في الذود على الفهم الحرفي للنصوص المرجعية من قرآن وسنة. كذلك التصدي لمختلف المحاولات التي يقوم بها ” أعداء الاسلام” من أجل تغيير أحكامه تحت عنوان التجديد وممارسة الاجتهاد. ولهذا قاوم المشرفون على هذه المؤسسة بشراسة ومنذ زمن طويل كل المحاولات “المجنونة” التي قد تعيد دخول المسلمين إلى التاريخ.

لكن ما أن افتكت المؤسسة السياسية المبادرة حتى حصل تحول فجائي في أحكام المؤسسة الدينية السعودية التي تقود منذ اكثر من قرنين التيار السلفي المعروف بتشدده واعتقاده بأنه الناطق باسم الفهم الحقيقي للدين. وبعد ان كانت هذه المؤسسة قاطعة وقطعية في حكمها المحرم للسياقة النسائية في مجتمع ذكوري انقلب الموقف بشكل جذري بعد القرار الملكي الذي استند على المصلحة والبرغماتية، فعجلت بالتاكيد على ولائها للسلطة السياسية وارتباطها العضوي بها.

هنا تكمن معضلة المؤسسات الاسلامية في المنطقة، اذ نادرا ما تكون هي صاحبة المبادرة خاصة في ثلاث مجالات حيوية وهي اصلاح الدولة والنهوض بالنساء وأخيرا المجال العقائدي.

ان الطاغي على خطاب المؤسسات الدينية في المنطقة هو الموقف المحافظ الذي يعيد انتاج الموروث الفقهي القديم دون التسليم بأن الواقع العالمي والمحلي قد تغير بشكل جذري مما يفرض مراجعة الفتوى وأيضا مناهج التفكير والتأويل والتأسيس. ولهذا السبب يلاحظ ان علاقة هذه المؤسسات بالواقع المتغير محدودة جدا وفي بعض الأحيان تكون الصلة مقطوعة تماما.

وبما أن حركة التاريخ لا تتوقف ولا ترحم يصبح الخطاب الفقهي معلقا يواجه رفضا من قبل الأوساط الفاعلة وحتى المتدينة. ولهذا السبب تنتقل المبادرة من الفقهاء الى المؤسسة السياسية ومنها الى الدوائر القانونية وغيرها من المؤسسات. وفي نهاية المطاف تجد المؤسسات الدينية نفسها على هامش الواقع، تنطلق من ردود فعل وتبحث عن محاولات استعادة شرعيتها المفقودة.

ما لم يفهمه الكثيرون ان المطلوب حاليا ليس ادخال اصلاحات جزئية على هذه المدرسة الفقهية او تلك، وانما التحدي الحقيقي يكمن في بناء فقه جديد ينطلق من تفعيل نظرية المقاصد بشكل جذري. واذا لم يحصل ذلك في وقت قياسي فإن النتيجة ستؤول الى مزيد تهميش هذه المؤسسات وتذييلها، او يمكن ان تتعرض الى السطو عليها من قبل التيارات الاكثر تشددا في قضايا الدين والسياسة.

بين الخطاب الديني والحركة التاريخية علاقة عضوية وجدلية. وهي علاقة محكومة بالضرورة بتحقيق المصلحة وبالقدرة على الاستجابة للمستجدات وأيضا مواجهة الأسئلة الحارقة بكل مسؤولية. واذا ما تجدد الخطاب الديني فان الخطاب السياسي سيجد نفسه مضطرا للتغير، والعكس أيضا صحيح.