كتّاب

الإثنين,23 أبريل, 2018
الـمثقَّف ليس إطفائيّاً

محمّد حلمي عبد الوهّاب*

ليست مهمَّة الـمثقَّف أن يكون إطفائيّاً. وظيفة الـمثقَّف الـحقيقيِّ هي أن يُشْعِل الـحرائق في جسد التَّاريخ. أن يُثير شغف الأسئلة والنَّزعة النَّقديّة في جمهوره ومُستمعيه. وليست مهمَّة الـمثقَّف أن يجْترح الـمُعجزات ولا الكرامات؛ فالـمثقَّف ليس نبيّاً ولا وليّاً. وظيفة الـمثقَّف الـحقيقيِّ هي أن يكون واقعيّاً ولا واقعيّاً في آنٍ معاً: أن يُعايش آلام النَّاس، لكنّه – في الوقت نفسه – يفترق عنهم، كي يُشخِّص تلك الآلام التي يُعانون منها، ويُعْمِل الـمبضع في الـجراحات التي يكتوون بها.

الـمثقَّف الـحقيقيُّ هو ابن الواقع، ليس كائناً انعزاليّاً يلوذُ بمدينته الفاضِلة الـمُتوهَّمة، أو يقتصر دَوره في الـحياة على البحث عن سُبُل “تدبير الـمتوحِّد”؛ كما شأن الفيلسوف الأندلسيِّ ابن باجة (توفِّي 533هـ/ 1138م). وظيفة الـمثقَّف هي أن يُواجه بشجاعة وثبات جميع العوائق التي من الـمُحتمل أن تنهض على طول الطَّريق، من دون أن تُثنيه تلك العوائق عن تحقيق غايته الأسمى: تثقيف الـمجتمع، أو ما يُطلق عليه البعض مسمَّى “صياغة الوعي العامّ”.

على أنَّنا نلاحظ أنَّ ثمّة عمليّات أسْطرة لواقع الـمثقَّف وحقيقته في الـمِخيال العامّ، فتارةً نُضفي عليه صوراً رومانسية تصل به حدَّ اليوتوبيا، وتارة نعمل على إقصائه وتهميشه بوصفه كائناً زائداً، أو معادلةً صفريّة. بل إنَّ كثيراً من النِّقاشات العامَّة حول دَور الـمثقَّف وطبيعته ووظيفته أشبه ما تكون بذلك التَّساؤل العبثيّ: أيُّهما وُجِد أوّلاً؛ البيضة أم الدَّجاجة؟ إذ لا نزال حتَّى الآن نخضعُ لإكراهات التَّفكير اللّامنطقي في كثيرٍ من الأحيان حول علاقة الفكر بالواقع أو الواقع بالفكر؛ أيُّهما يُعدُّ نِتاجاً للآخر؟ من دون أن ننتبه، أو نتيقَّظ، لمفاعيل السُّلطة في إثارة هكذا تساؤل. ولسنا نعني بالسُّلطة هنا محضَ السُّلطة السِّياسية فحسب؛ بل وسلطة الـمَعرفة أيضاً. وإلّا: فمِن أين يتأتَّى للمثقَّف أن يُمارس ضروب تلك السُّلطة على الآخرين، بل وعلى أقرانه كذلك؟ وما هو مصدرها؟ ولو افترضنا جدلاً أنَّ الـمُجتمع الذي يعيش فيه الـمثقّفون أصبح برمَّته على درجة واحدة من الثقافة، فهل تمَّحي تلك السُّلطة، أم تبقى قائِمة، وما هي مبرّرات بقائها؟!

في كُتب التُّراث العربيِّ كثيراً ما نجد أنفسنا إزاء العديد من الأوصاف التي تُطلق من قبل ممثِّلي السُّلطة الثقافيّة، من فقهاء ومتكلِّمين وفلاسفة، على العامَّة، من قبيل: الدَّهْماء والغوغاء …إلخ وما إلى ذلك، لكنَّ التَّساؤل الذي لم يُطرح بعدُ يتعلَّق بالـحاجة إلى أولئك، أعني حاجةَ الفقيه والـمتكلِّم والفيلسوف أو الـمثقَّف – كما حاجة الـحاكِم أيضاً- إليهم، كي يُمارسوا أنماطَ سُلطتهم – وتسلُّطهم في كثيرٍ من الأحيان – عليهم.

فمن جهة أولى، يستمدُّ الـمثقَّف سلطته – بل مشروعيّة وجوده – من جهْل الآخرين، أو بالأحرى من احتياجهم إليه. ومن جهة أخرى، يرتهن وجودُه بوجودهم، ومع ذلك فهو لا يكفُّ عن مُمارسة شتَّى ضروب التَّعالي والكبرياء عليهم؛ تماماً كما شأن الـحاكِم مع الرَّعيّة! لكنّه في الـحقيقة هو مَنْ في أمسِّ حاجةٍ إلى من يُسمِّيهم “حشوَ الرَّعية”؛ فمن دونهم يتحوّل بدَوره إلى مجرّد حشو، أو يُصبح صفراً على اليسار في مُعادلة الوجود والطبيعة.

إنَّ الإشكال الـحقيقيَّ في علائق الـمثقَّف بالـمجتمع من حوله، يكمنُ في أنَّه يمارس دَوراً مزدوجاً ربَّما من دون أن يدري. ففي الوقت الذي يتعالى فيه على أفراد الـمجتمع، يُمارس شتَّى صنوف الـخضوع والانكسار – إلّا في ما ندر – عندما يكون في رحاب الـحضْرة السُّلطانيّة؛ بحسب تعبير القدامى. وكأنَّه يجمع في طيَّات نفسه بين السَّادية والـمازوخيّة في آنٍ معاً! فإذا به يتحوّل إلى طاووس، مُمتلئ بالكبرياء الذي يُحبُّ أن يدعوه ثقة في النَّفس أو فخراً، فيما يُخاطب العامّة، بينما يصغُر، يتقزَّم، بحيث لا يكاد يُرى وهو في مَعيّة الرئيس أو الـملِك. والغريبُ في ذلك الأمر، أنَّ الـمثقَّف لا يكاد يشعر بازدواجيّته تلك، فمتى عبر الباب إلى الـجهة الأخرى، انقلب إلى شخصٍ آخر تماماً؛ متسلِّط مع العامَّة، خاضع ذليل مع أرباب السُّلطة والسِّياسة، يمدُّ يدَه لتقبِّلها الـجماهير في الوقت عينه الذي يلهث من أجل تقبيل أيدي الآخرين، أو الانتصاب لهم وتقديم التحيّة العسكريّة!!

ومن طريف ما يُروى في هذا السِّياق، أنَّ الأمير بشير الشِّهابي قال لخادمه يوماً: ” إنَّ نفسيَ تشْتهي أكْلَة باذنجان. فقال الـخادم: الباذنجان، بارك الله في الباذنجان؛ هو سيِّد الـمأكولات؛ لحمٌ بلا شحْم، سمكٌ بلا حَسَك، يُؤكل مقليّاً، ويُؤكل مشويّاً، ويُؤكل محشيّاً، ويُؤكل مخلَّلاً، ويُؤكل مَكْدُوساً. فقال الأمير: ولكنِّي أكلتُ منه قبل أيَّام فنالني منه ألمٌ في معدتي. فقال الـخادم: الباذنجان؟! لعْنةُ الله على الباذنجان! إنَّه ثقيلٌ، غليظٌ، نفَّاخٌ، أسودُ الوجه!! فقال الأمير الشَّهابي: بل ويْحك أنت! تمدحُ الشيء وتذمّه في وقتٍ واحد؟! فقال الـخادم: يا مولاي، أنا خادم الأمير ولستُ خادماً للباذنجان! إذا قال الأمير: نعم، قلتُ له: نعم، وإذا قال: لا، قلتُ له: لا”. ما أكثر الـمثقَّفين الباذنجانيّين في أيَّامنا هذه!!

وإذا كان ديكارت يستبعد إمكانيّة الـحصول على ثلاثة أشياء؛ هي: الكِتاب الـجيّد، والـمرأة الـجميلة، والقسِّ الذي لا يكذب؛ فإنَّ ما لم يقله فيلسوف الشكِّ هو أنَّه يصعب الـحصول أكثر فأكثر على “الـمثقَّف الـمُلتزِم”، بحسب تعبير غرامشي! لذلك يرى إدوارد سعيد أنَّ مهمَّة الـمثقَّف والـمفكِّر تتطلَّب اليقظة والانتباه على الدَّوام، ورفض الانسياق وراء أنصاف الـحقائق أو الأفكار الشَّائعة باستمرار. فعلى الـمثقّف يقع عبءٌ كبيرٌ من أجل عدم الوقوع في فخّ الأدْلجة، فضلاً عن ضرورة الـحفاظ على الاستقلال الفكريِّ بعيداً عن إغراءات السُّلطة وغواياتها. وتبعاً لذلك؛ فإنَّه ليس مطلوباً من الـمثقَّف أن يُمارِس دَور “الوصاية الفكريّة” على الآخرين، بقدر ما هو مُطالَب بأن يكون مُتَّسقاً مع أفكاره، مُلتزِماً بالـمبادئ التي يدعو إليها. فعلى مدار التَّاريخ الإنسانيّ دفَع مثقَّفون قلائل حياتهم ثمناً لالتزامهم بأفكارهم؛ كما هو الشَّأن بالنِّسبة إلى سُقراط والـحلَّاج على سبيل الـمثال، فيما اختارت الكثرة الكاثرة من الـمثقَّفين الانضمام إلى بلاط السُّلطة، أو اللّجوء الى استخدام التقيَّة في بعض الأحيان.

أمَّا الـمتصوّفة – دون سائر الفرق والـمذاهب الكلاميّة والفلسفيّة في تاريخ الإسلام – فقد حرصوا على أخذ مسافة شاسعة بينهم وبين ممثِّلي السُّلطة الزمنيّة؛ لدرجة أنّهم لم يُبالغوا أو يتطرّفوا في أيّ مسألة من الـمسائل الدِّينية أو الدُّنيوية بقدر مُبالغتهم في هذا الـمسلك. ومن جميل ما يُروى في هذا الإطار، أنَّ الـخليفة الـموحِّدي أبو يعقوب الـمنصور استدعى يوماً ما الصوفيَّ الإشبيليَّ محمَّد بن عُبيد الله بن الـمُجاهد، فجاءه الأخير مُكْرهاً، فلمّا انتهى من لقائه، قال الـخليفة لجلسائه: ” إنَّ ابن مُجاهد لا مَطمع لأحد فيه؛ أمَا رأيتموه حين دخل علينا قدَّم رِجْلَه اليُسرى، ولَمَّا خرج قدَّم رِجْلَه اليُمنى”!! كأنَّه يُساوي بين الدُّخول عليه والدُّخول إلى الـخلاء !!”.

“إنْ كنتَ طبيباً حاذِقاً حقّاً، فدَاوِ نفسكَ قبل أن تُداويني”؛ قالها بديع الزَّمان سعيد النُّورسي (1294- 1379هـ/ 1877- 1960م) للطبيب الـمُختصِّ بمُعالجته عندما أُودِع مصحَّة الـمجانين! وهكذا الـحال بالنسبة إلى كثيرٍ من الـمثقَّفين الـمُعاصرين؛ تراهم في أمسِّ حاجة للعلاج بينما يتصدَّرون الـمشهد الثقافيَّ بدعوى أنّهم يملكون مفاتيح الـحلول! وختاماً؛ فإنَّني لا أزال على قناعةٍ تامَّةٍ بأنَّ نكْبتَنا تكمنُ في نُخْبَتِنا، وأنَّ كثيراً ممّا نُعانيه اليوم ما هو إلّا محضُ تراكُمٍ لأمراض النُّخب الدِّينيّة والفكريّة والسياسيّة على مَدار تاريخنا الطَّويل … وللوجع بقيَّة!