كتّاب

الأربعاء,24 أكتوبر, 2018
العجمي الوريمي: قراءة في بيان النهضة حول اغتيال خاشقجي

لا يخفى على أحد أنّ النهضويين تحت تأثير صدمة الحادثة الأليمة، التي ذهب ضحيتها رجل أقل ما يقال عنه أنّه صديق لتونس ولثورتها، ومتابع محب لأخبارها، ومعجب بنهضتها ومثمن لدور شعبها في كسر طوق الاستبداد وتدشين فجر الحرية في البلاد العربية. وأنّ الشّعب التّونسي لايزال حاملا مشعل الحريّة في وطننا العربي وأن ثورته المجيدة لا تزال مصدر إلهام للشباب العربي المتعطش للكرامة والحرية والعدالة.

كما ان للشعب التونسي اليوم مسؤولية أخلاقية في إدانة الاستبداد وجرائمه وفي المساس بمناضلي الحرية الذين يعيشون بين الأسر والمعتقلات والمحتشدات والمنافي.

انّ حركة النهضة لا يمكن لها أن تصمت كليا في هذه المناسبة التي خلقت وضعا جديدا وكشفت واقعا بائسا معيبا وجالبا للعار

انّ الشهيد جمال خاشقجي لن يكون إلا صوتا صادحا مدويا في الدفاع عن النهضة ومناضليها ورموزها، لو كان الأذى قد أصاب أحدهم، فلا يسع النهضة الا اتّخاذ نفس الموقف تجاه مدافع شرس عن الحرية وعن الديمقراطية وعن الناشطين على طريقها.

ان الوشائج الفكرية بين الحركة وعدد من قادتها والناشط السّعودي الذي سبق لي أن أسميته المنشق الأبرز والأشهر وشائج مؤكّدة من ناحية الاشتراك في القيم الثقافية والسياسيّة وفي المعركة من أجل الحريّة والإصلاح، لذلك لا يفيه حقه وصفه بأنه صحفي وكفى، فهو ناشط صاحب قلم ولن ظهور إعلامي لافت ومشاركات في ندوات دولية
يتميز بسرعة إطلاعه، وعلاقاته وعمق تحاليله ودقة توقعاته لا يشبههه في هذا الا عدد قليل من الكتّاب والصحفيين ذوي التأثير الواسع داخل بلدانهم وخارجها.

وجدير بالملاحظة أنّ الصحافة لها دور حاسم في واقعنا العربي، فهي رأس الحربة في معركة الحرية وأحيانا في الخط الأمامي لكلاب الحراسة، عندما تسخّرها الأنظمة والحكومات في تضليل الرّأي العام وتشويه المخالفين.

تضمّن البيان إدانة واستنكارا لا غبار عليهما لكن بتعابير منتقاة، بما يفيد أنّ السكوت غير وارد ولا ممكن كما أنّ الموقف يكشف أنّ النّهضة تجنبت استغلال الحدث للاستثمار السياسي الحزبي كما يكشف رغبة في عدم احداث القطيعة مع أي طرف، وان رأى فيه البعض دون تحرّ أو تثبت موقفا بلا طعم ولا رائحة فهو بالتأكيد موقف قوي ومسؤول

موقف النهضة له منطلقه الأخلاقي لا فقط دوافعه السياسية، ولعل التأخر النسبي في إصدار البيان الغاية منه اسنفاذ الأعذار لنفسها إذا أصدرت حكما وإسقاط أي عذر عن الطرف المدان في قضية الحال، إذ لا يمكن تبرير ما أقدم عليه بأي حال من الأحوال.

البيان سمّى ما حصل بمسماه المجرد والدقيق والواضح “عملية اغتيال مدبرة”
و”جريمة وحشية”. وقد خصص البيان فقرة للتعريف بجمال خاشقجي الذي صار غنيا عن التعريف ولكن ببيان أنه لا يستحق المصير الحزين الذي لقيه مغدورا إذ من المفروض أن يلقى التكريم والتبجيل وخير الجزاء على التزامه واعتداله.

هذا التعريف التنويهي بالشهيد يبرز بطريقة غير مباشرة حجم الجريمة وفضاعتها وحجم الخسارة ووقعها من خلال التعزية الموجهة لعائلة الفقيد الشهيد وأصدقائه وأنصاره، إبرازا لحجم المأساة والمصاب وإبراز أن للشهيد أصدقاء حتى داخل المملكة والعائلة الحاكمة، إشارة إلى أنّه ليس من الحكمة وضع كل من يمتّ للنظام بصلة وكل من ينتسب إلى العائلة في سلة واحدة، في وقت تحتاج فيه قوى الإصلاح التي ينتمي إليها الشهيد جمال خاشقجي إلى أن تواصل التحدي والضغط من أجل انفتاح حقيقي وانفراج في أوضاع الحريات بالسعودية.

بيان الحركة عمد أيضا إلى التأكيد على منافاة الجريمة القوانين والأعراف الدولية التي يفترض في أي حكومة أن تحترمها وتتقيد بها كي تجنب نفسها الإدانة والمساءلة. والتأكيد على منافاة الجريمة للقيم الإسلامية خاصة قيمة الحياة التي لا يجوز الاعتداء عليها أو الإستهانة بها لما هو معلوم من التحذير القرٱني الشديد على حرمة قتل النفس فيه إشارة مزدوجة:

من جهة للسعودية التي تعلن الاسلام مرجعية الدولة واديولوجية للنظام إذ كيف يحدث كل هذا التحدي والاستهتار من سلطات بلد يفترض أن تكون أحرص الجهات على الحفاظ على القيم الإسلامية واحترامها وتفعيلها.

وإشارة من جهة أخرى إلى تمايز النهضة ذات المرجعية الإسلامية وتبرئها من مثل هذه الأفعال الشنيعة وأنها من منطلق مرجعيتها الإسلامية لا يمكنها إلا أن تدين الجريمة وتستنكرها.

يمكن أن نشهد خلال الفترة القادمة وعلى قاعدة الخلاف في التعاطي مع جريمة القنصلية تمايز مشروعين ينتميان للعالم السني أحدهما ينتسب إلى القرون الوسطى المظلمة والثاني ينتسب إلى العصر الحاضر عصر التجديد الاسلامي والإصلاح والتنوير.

دعت الحركة في بيانها، إلى محاسبة الفاعلين المباشرين وغير المباشرين من مقترفي عملية التصفية الجسدية ومدبريها على السواء، والحركة في ذلك تنضم إلى الساخطين على ما حصل ولا تنفرد به بل تضم صوتها للداعين لمحاكمتهم كما أن الدعوة لأن يتم ذلك في إطار العدالة معناه عدم استباق التحقيقات مع التأكد من بصمات المجرم ودون التراخي في إجراء التحقيقات مع التأكد أن المجرم وقع في الفخ الذي نصبه لنفسه بحمقه وعنجهيته وأنه لن يفلت من المحاسبة.

ويستفاد من الدعوة للمحاكمة في إطار القضاء رفض التغطية على جريمة القنصلية إذ لا شك في وجود من يريد لملمة الموضوع وفتح الباب لشراء صمت المتواطئين الاستعداد لإرضاء ابتزاز بعض الجهات العربية والغربية التي ترى في الجريمة مغنما سياسيا وماليا على حساب العدالة ودم الشهيد.

إنّ موقف الأحرار ينبغي أن يثمر إصلاحات وإجراءات لفائدة من يطالبون بالحرية والشفافية ودولة القانون في الوطن العربي لا أن يفضي إلى تسوية مع جهات الضغط التي لا يهمها الا مصالحها ولا ينتظر منها أن تقدم أي تضحية بجزء من تلك المصالح لإعلاء القيم وتجسيمها

العجمي الوريمي