تحاليل سياسية

الثلاثاء,3 يوليو, 2018
“الشيخة سعاد”.. وجه آخر للتطوّر والإنفتاح في حركة النهضة

“سعاد عبد الرحيم لا يمكن أن تكون رئيسة لبلديّة تونس لأنّها إمرأة” هذا التبرير الذي يحمل في طيّاته عقلا ذكوريّا متمركزا حول نفسه لم يصدر عن “محافظين” بل عن وجوه ترفع عاليا شعارات المساواة والحريات الفرديّة والحداثة، الحدث برمّته جلل فالحديث في هذا الموضع يدور عن فوز حركة النهضة بأكثرية مقاعد بلديّة تونس المدينة الأقدم عربيّا.

جدل كبير ملأ الساحة التونسيّة من زوايا نظر مختلفة بشأن إسم رئيس بلديّة تونس وأخذ الجدل منحى آخر مع ترشيح حركة النهضة لرئيسة قائمتها سعاد عبد الرحيم لهذا المنصب فالبلديّة التي كانت حكرا على “البلديّة” و”الذكور” باتت على مرمى حجر من أن تكون لإمرأة من حركة النهضة كسرت الصورة النمطيّة في الهويّة اللباسيّة على الأقل عن الإسلاميّات وهاهي تفوز بالمنصب.

حرارة الطقس في تونس مع بداية شهر جويلية لم تكن أكثر حرارة من الأجواء التي جرت فيها عمليّة التصويت بحضور 60 عضوا بلديّا منتخبا في 6 مايالفارط في أول بلديات تشهدها البلاد بعد الثورة، حضور مكثّف للإعلام الوطني والأجنبي وتنافس لآخر اللحظات حسم في دور ثان لصالح سعاد عبد الرحيم لتكون أوّل “شيخة” لمدينة تونس.

ترشح سعاد عبدالرحيم على رأس قائمة النهضة لبلديّة تونس أثار رجّة كبيرة منذ إعلان الخبر قبل حتّى الإعلان عن نتائج الصناديق ولكنّه اليوم يأخذ منحى آخر فحركة النهضة التي كانت تواجه الإنتقادات اللاذعة بشأن “مشروعها” و”تصوّرها المجتمعي” كسرت الصورة النمطيّة التي أريد حشرها بها في الزاوية ومرّت بالسرعة القصوى إلى توريط منتقديها في ما إتّهموها به وإنقلب السحر على الساحر.

لفوز سعاد عبدالرحيم برئاسة بلديّة تونس رسالتان واضحتان الأولى إلى الداخل ومفادها أن الحركة قد باتت حزب دولة مهيّأ للحكم وللقيام بالإصلاحات اللازمة التي ينتظرها الشعب بكلّ فئاته وشرائحه ومكوناته بدون إقصاء عاكسة صورة أوسع مفادها أنها قد باتت حزبا مدنيّا للتونسيين جميعا بدون إستثناء لا تنظيما ستالينيّا أو إيديولوجيّا مغلقا.

أمّا الرسالة الثانية وراء تنصيب سعاد عبد الرحيم “شيخة” لمدينة تونس فموجّهة للخارج تعكس ما بلغته تونس وتجربتها الناشئة من قدرة على إستلهام قيم الإسلام والحداثة وتعايشها معا في مجال عربي وإسلامي في حالة فريدة من نوعها ستخضع للتشريح والتحليل والدراسات المعمّقة وبشكل غير مباشر فإنّ الصورة بعينها حملة لحشد الدعم والتعبئة لإنجاح مسار الإنتقال الديمقراطي في البلاد.

يبدو حدث إنتخاب سعاد عبد الرحيم رئيسة لبلديّة تونس مهمّا لتاريخية هذا المنصب ورمزيّته ولثقل البلدية المذكورة ولكنّها ليست المرأة الوحيدة التي تترأس مجلسا بلديا عن حركة النهضة فالعدد كبير وفي مختلف جهات البلاد يؤكّد أن مسار الإنفتاح وحركة التطوّر التي تعيشها الحركة تسير في إتّجاه صحيح يؤهّل الحزب ليكون مرآة تعكس طبيعة المجتمع ويؤهله ونوابه المنتخبين ليكونوا أمام مسؤوليات تاريخيّة في علاقة بإيجاد حلول كثيرة لملفات عالقة وإصلاحات معطّلة.

تؤرّخ المرأة العربيّة للحريّة والمساواة بنساء تونس وهاهم يؤرّخون لمكسب آخر للتونسيّات كانت وراءه حركة النهضة هذه المرّة ولكنّ التاريخ سجّل وقوف شقّ واسع من اللبراليين واليساريين ضدّه ليثبت أن الإسلاميين قادرون على الحكم وعلى الإصلاح إذا ما تحوّلوا إلى أحزاب دولة تمثّل المجتمع وتعايش آلامه وآماله معا.