ورقات

الثلاثاء,6 نوفمبر, 2018
السياحة الحزبية في تونس.. عندما تختلّ كفّة موازين القوى بثِقَل المصالح

فجّر القرار المفاجئ للاتّحاد الوطني الحرّ بطلاقه من كتلة الائتلاف الوطني وانصهاره مع حزب حركة نداء تونس ، جدل “السياحة الحزبية” التي انتشرت بين المكونات الحزبية والكتل البرلمانية ، ليس فقط بعد انتخاب مجلس نواب الشعب (انتخابات 2014) ، وإنّما أيضا منذ السنوات الأولى الموالية لثورة 2011 إذ سلكها عدد من نواب “المجلس الوطني التأسيسي” بدورهم.

كرونولوجيا السياحة الحزبية من “التأسيس” إلى “التمثيل”
في معجم السياسة، السياحة الحزبية هي كلّ انتقال سياسي وترحال حزبي من شأنه أن يخلق تغيرات صلب مكون حزبي أو كتلة برلمانية ما، بما في ذلك من استقالات وانضمامات إلى مكونات قريبة في الرؤى أو منافسة على حدّ سواء ، أو عبر تشكيل مكونات حزبية وكتل نيابية جديدة، في مشهد مثير يتقافز فيه الترتيب العددي تصاعدياً وتنازلياً، بعيداً في بعض الأحيان عمّا قد أفرزته صناديق الاقتراع.
وبالتّمحيص في هذه الظّاهرة عبر التّسلسل الزّمنيّ ، يتبيّن أن تونس قد شهدت اولى عمليات السياحة الحزبية إبّان تجربة المجلس الوطني التأسيسي، قُبَيْلَ صياغة الدّستور وإجراء الانتخابات التشريعية الأولى للبلاد.
ففي نوفمبر 2012، عمل حزب نداء تونس -حديث الولادة آنذاك- على تشكيل كتلة نيابية داخل المجلس الوطني التأسيسي تضمّ مجموعة النواب المنشقين عن كتلهم.
وقد أثار تشكيل كتلة نيابية ندائية تضمّ النّواب المنشقّين عن كتل برلمانية لأحزاب سياسية أخرى جدلا واسعا، آنذاك، ولاقى رفضا كبيرا على الساحة السياسية لاسيّما وأنّ متابعي الشأن السياسي اعتبروا أن تشكيل كتلة لحزب لم يشارك في الانتخابات التأسيسية واكتفى باحتضان المنشقين عن كُتلهم، مسألة غير شرعيّة.
أغلب التحاليل السياسية أرجعت ظاهرة الترحال السياسي من حزب لآخر ومن كتلة لأخرى، آنذاك، إلى كون التحوّلات التي شهدتها البلاد خلال سنة 2011 جعلت من الساحة السياسية تدخل في مرحلة مخاض باعتبارها فترة انتقالية جدّ حساسة على المستوى السياسي فجُلّ الاحزاب حديثةُ عهدٍ وقياداتُ اغلبها لا تجربة سياسية كافية في جِرابهم تمكنّهم من تحديد خياراتهم النهائية.. فضلا عن ذلك، ارتبطت تلك الفترة بظهور عشرات الاحزاب بلا مرجعيات فكرية او ايديولوجية ولا يملك ايّ منها أدبيات واضحة وهي تعتبر النقطة المشتركة التي تجمع المنتمين الى كل طرف سياسي، وبالتالي فإن غيابها مثل مرتكزا لظاهرة السياحة الحزبية.
مسألة انعدام المرجعيات الفكرية المشتركة و الأدبيات الواضحة مثّلت أحد أبرز أسباب السياحة الحزبية الذي مسّ أبرز الأحزاب الفاعلة سياسيا إبّان السنوات الأولى الموالية للثورة ممّا ألقى بظلاله على تركيبة الكتل النيابية الفائزة بالانتخابات التأسيسية لسنة 2011 .
أولى حالات التّصدّع طالت حزب التكّتل الديمقراطي من أجل العمل والحرّيات، حيث استقالت بشرى بلحاج حميدة من حزب التكتّل في 14 ديسمبر 2011 ، ومثّلت انطلاقة موجة استقالات بالجملة من حزب التكتّل؛ إذ أعلنت جامعة الحزب بأريانة عن استقالة جماعية في 16 ديسمبر 2011 ، عقبتها استقالة جماعية بمكتب الحزب بتاكلسة، ثم تلتها سلسلة من الاستقالات لعدد من المنخرطين بمعتمديات بمدن الكاف ونابل وقليبية وبني خلّاد وسوسة .. إلخ.
ثمّ جاءت استقالة النائب بالمجلس الوطني التأسيسي عن حزب التكتل خميس قسيلة ، في 9 فيفري 2012.
وسرعان ما انضمّ عدد من المستقيلين من التكتل إلى حزب نداء تونس الذي لم يكن يحوز كتلة نيابية آنذاك، على غرار خميس قسيلة ( 12 أوت 2012) ، وبشرى بلحاج حميدة (20 سبتمبر 2012 ).
وعلى خطى حزب التكتّل شهد حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، الذي فاز في انتخابات 2011 بالمركز الثاني بعد حركة النهضة وأحرز بذلك على 29 مقعدا من جملة 217 في المجلس الوطني التأسيسي، تصدّعـا عميقا اقترن بسلسلة من الاستقالات أولها في مطلع 2012 من قبل نزيهة رجيبة (عُرفت باسم “أم زياد”) ، ثم جاءت بعدها إقالة الامين العام للحزب عبدالرؤوف العيادي في افريل 2012 عقب اتهامه بخرق الخطّ السياسي للحزب، الأمر الذي لقي استهجانا كبيرا صلب البيت الداخلي للحزب وتسبب في موجة من الاستقالات منه . وفي 16 ماي 2012 ، شهد المؤتمر استقالة جماعية لـ12 نائبا من الكتلة البرلمانية للحزب على رأسهم عبد العزيز القطي.
وزاد تدهور وضع الحزب باستقالة عدد من الشّخصيات ذات الوزن الثقيل في المؤتمر، على غرار محمد عبو (الذي أسس فيما بعد حزب التيار الديمقراطي) و أيوب المسعودي (الذي شغل منصب المستشار الأول لرئيس الجمهورية المكلف بالإعلام) وعزيز كريشان (الذي شغل خطّة مستشار لرئيس الجمهورية).
كتلة العريضة بدورها شهدت في جويلية 2012 سقوطا حرّا في تمثيليتها بالبرلمان، ليتضاءل عدد نوابها من 26 إلى 9 مقاعد بسبب سلسلة من الاستقالات آخرها جاء من النائبين ابراهيم القصّاص والمولدي الزيدي ، لتنتهي بذلك كتلة العريضة باعتبار وجوبية وجود 11 نائبا لتكوين كتلة.
النواب المستقيلون من كتلهم الأساسية ، استمالهم حزب نداء تونس إلى صفّه من أجل تكوين كتلة برلمانية تحمل اسمه تحت قبة باردو ، وفي جويلية 2013 ، انضمّ النائبان المستقيلان من التكتل سليم عبد السّلام وفاطمة الغربي إلى نداء تونس، وبانضمامهما إليه آنذاك أصبح عدد نواب النّداء 11 ما يخوّل له تكوين كتلة برلمانية داخل مجلس نواب الشعب في 9 جويلية 2013.
ولم تقتصر ظاهرة السياحة الحزبية على المجلس الوطني التأسيسي، بل جعلت من تركيبة مجلس نواب الشعب ، تركيبة متحرّكة لم تعرف الاستقرار على مدار الأربع سنوات التي تلت الانتخابات التشريعية للبلاد (أكتوبر 2014).
ففي التركيبة الأولى لمجلس نواب الشعب التي أفرزتها الانتخابات، فاز نداء تونس بالمرتبة الأولى بعد أن حصل على 86 مقعد من جملة 217 مقعد في المجلس، ثم تلاه حزب حركة النهضة بـ69 مقعدا، ثم الاتحاد الوطني الحرّ بـ16 مقعدا، فالجبهة الشعبية بـ15 مقعدا..
أما تركيبة البرلمان الآن، وفق ما ينشره الموقع الرّسمي لمجلس نواب الشّعب، فإنّ كتلة حركة النّهضة تتصدّر ترتيب الكتل البرلمانية بـ68 نائبًا، تليها كتلة حركة نداء تونس بـ51 نائبا ، ثم كتلة الائتلاف الوطني بـ39 نائبا، أما في المرتبة الرابعة نجد كتلة الجبهة الشعبية بـ15 عضوا ، تليها كتلة الحرة التابعة لمشروع تونس بـ14 نائبا، تعقبها كتلة الولاء للوطن بـ11 نائبا ، فضلا عن 8 نواب غير منتمين.
و من المهمّ ههنا تسليط الضوء على كون كتلة الجبهة الشعبية هي الكتلة الوحيدة التي لم تطرأ عليها أية تغييرات أو تحويرات منذ تكونها، تليها كتلة النهضة التي لم تشهد منذ تشريعيات 2014 سوى استقالة واحدة للنائب نذير عمو يوم 14 سبتمبر 2017 الذي انضم إلى كتلة “الولاء للوطن” إبان تشكلها في 23 مارس 2018 والتي تضم عددا من النواب المستقلّين.
هذه التشكيلة الموجودة في الموقع الالكتروني لمجلس النواب، وإن كانت رسمية، فهي لا تُعدّ نهائية باعتبار المستجدّات التي قد تطرأ على تركيبة الكتل البرلمانية، وهو ما من شأنه إعادة خلط أوراق تركيبة المجلس.

“موازين القوى” تختلّ باختلال المصالح
من المُلاحظ أنّ جُلّ عمليات الترحال السياسي سوى بشكل فردي أو جماعي من مكوّن سياسي إلى آخر ارتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بتقاطع المصالح الخاصة لهذه المكونات، بعيدا كل البعد عن المصلحة الوطنية وما تقتضيه من التقاء الأفكار والرؤى حول مشروع استراتيجيّ بنّاء كما يقع ترويجه.
فنداء تونس، اعتبر اندماجه مع الاتحاد الوطني الحر تحت يافطة حزبية واحدة “التقاء إرادة الطرفين من أجل قيام مشروع سياسي وطني وديمقراطي مفتوح، يستجيب للاستحقاقات الوطنية ويضمن للتوازن السياسي ويحمي تونس من كل المخاطر وخاصة من النهج السياسي المغامر”، في الوقت الذي راجت فيه رواية تفيد بأن القرار المفاجئ الذي اتخذه سليم الرياحي بخصوص انصهار حزبه في النداء جاء بعد رفض رئيس الحكومة يوسف الشاهد منحه ثلاث وزارات.
الكاتب والمحلل السياسي أمين مسعود حلل في مقال له بصحيفة العرب اللندنية تحت عنوان “السياحة الحزبية في تونس.. فجوة فكرية وخواء تنظيمي” تفشّي ظاهرة السياحة الحزبية في تونس في علاقتها بمفهوم “الغنائمية السياسية”. واعتبر في مقاله أن السياحة الفردية للنواب من حزب إلى آخر ومن كتلة إلى أخرى، أمر كان راجعا إلى طبيعة المصالح الشخصية والمطامح والمطامع الذاتية، وفي جزء آخر ضمن الهوان الفكري والضعف الاستراتيجي الذي بات ينخر الكثير من الأحزاب السياسية، وفق تعبيره.
وربط أمين مسعود “السياحة الجماعية” بثلاثة أسباب رئيسية وهي: ” الاصطفاف الأعمى والتراتبية الكاملة التي تطبع علاقة “الرجل المؤسس” بشبكة النواب والسياسيين التابعين له”، و”انعدام التصور الاستراتيجي لطبيعة المرحلة، فضلا عن ” انعدام المقاربات الكبرى لجزء كبير من الأحزاب في تونس اليوم، والتي، أي الأحزاب، استحالت إلى كيانات مستنسخة شبيهة ببعضها البعض في مستوى المشاريع والمقترحات وحتّى الخطاب السياسي” .

الباحث في العلوم السياسية علي بالنور يرى من جهته، أن هناك عديد الأسباب التي أدت إلى تفشي ظاهرة السياحة الحزبية، لعل أبرزها “غياب الأخلاق السياسية لأغلب “النواب السياح”.
وأوضح الباحث، وفق ما نقلته صحيفة الوطن في 9 سبتمبر 2018، أن غياب الالتزام الأخلاقي للنواب لما روجوا له في حملاتهم الانتخابية سبب تفشي الظاهرة في تونس. واعتبر بالنور أن هذه الظاهرة من شأنها أن تؤدي إلى عزوف الناخبين عن التوجه لصناديق الاقتراع، نظرا لأن الأحزاب والأسماء والكتل ستتغير لامحالة.
الكاتب الصحفي والباحث خالد حدّاد ربط في صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك بتاريخ 20 أكتوبر 2018 مسالة الاستقرار السياسي بضبابية السلوك السياسي والحزبي لغالبية النخبة وما لذلك من علاقة بالاصطفاف خلف لوبيات المصالح.
و دون الدكتور حداد: “لا يكاد المشهد السياسي يشهد بعض الاستقرار حتّى تختلط أوراقهُ من جديد، كما أنّه من الصواب التأكيد أنّ معارك الاصطفاف وراء لوبيات المصالح ومراكز النفوذ داخل السلطة أضحت أمرا مقلقا للغاية بحكم ما تُراكمهُ من مخاوف حقيقيّة وفعليّة.”

إنّ التحولات السياسية (الانسلاخات، التحالفات، …) تُهيّئ في كلّ مرحلة لتكوّن مشهدٍ سياسيّ جديد، وهو ما أثبتته التشكّلات التي عرفتها الساحة السياسية منذ 2011 .. ويبدو أنّ مشهدا سياسيا جديدا بصدد التشكّل، إذ تطالعنا تمظهرات تكوّن رأس سياسية ثالثة بالإضافة إلى رأسيْ النهضة ونداء تونس هي كتلة الائتلاف الوطني التي تحيل جلّ المؤشّرات إلى قربها من يوسف الشّاهد، التي لا زالت في طور مخاض التحوّل إلى حزب سياسي .. ولعلّ هذه المؤشّرات تمثّل علامات الصّورة التي سيكون عليها الواقع السياسي في تونس مـا بعد انتخـابات 2019. ويمثل التحوير الوزاري الذي أعلن عنه رئيس الحكومة يوسف الشاهد يوم 5 نوفمبر 2018 أوّل اختبار لصلابة الولادة السياسية الجديدة الناجمة عن “سياحة النواب والسياسيين”، حيث سيتواجه ضمن التوازن السياسي الجديد مركّبان ناجمان عن السياحة الحزبية من جانب المصطفين مع يوسف الشاهد مقابل نداء تونس والمنضمّين الجدد. ويبقى الحسم رهين حجم التحالفات خارج الطرفين