وطني عربي سياسي

السبت,23 فبراير, 2019
الرسائل الأخيرة لضحايا الإعدامات في مصر

مع نهايات الساعات الثلاث الأولى من فجر يوم الإعدام انتهت رحلة تسعة شباب في أعمار الزهور الحالمة بالحياة، مع التعذيب الذي استمر على أجسادهم الغضة طوال ثلاث سنوات أو تزيد في سجون مصر الجديدة.

كما انتهت أيضا رحلتهم مع حياة توقفت بهم عند منتصف العقد الثالث، ورحلوا جميعا في أكفان من الألم تاركين سؤالا كبيرا على وجه القضاء والسياسة وجهة الإفتاء المصدقة لأحكام الموت في أرض الكنانة.

يتوزع المعدمون التسعة بين مناطق مصر، لكنهم يتوزعون أيضا بين كليات التعليم ومراقي الحياة الجامعية، ومع ذلك فقد جمعتهم أقبية السجون، والتقوا جميعا في رحلتهم الأخيرة بقطار الموت المتعدد الرحلات هذه الأيام بين سجون مصر ومقابرها.

الأقمار” التسعة

وحكم على الشبان التسعة المعارضين بالإعدام شنقا بتهمة اغتيال النائب العام السابق هشام بركات، ويتعلق الأمر بكل من أحمد طه وهدان، وأبو القاسم أحمد، وأحمد جمال حجازي، ومحمود الأحمدي، وأبو بكر السيد، وعبد الرحمن سليمان، وأحمد محمد، وأحمد محروس سيد، وإسلام محمد.

وانضاف التسعة إلى عشرات آخرين تم تنفيذ الحكم فيهم ضمن 1056 حكما بالإعدام صدرت خلال سنوات السيسي الخمس، وتبارى فيها 19 قاضيا لإصدار الأحكام النهائية بإيقاف مسيرة الحياة بحق مئات المتهمين المصريين الذين نجوا من مجزرة الموت اللاهب في ميدان رابعة والتحرير، وتولى قلم “الإفتاء السامي” الإقرار بحبر “شرعي” على أحكام الدم ليتولى قتلة متخصصون تنفيذ الحكم وإحالة الأجساد الميتة إلى الأهالي الذين جمعوا بين غصة الألم وحرارة الفقد مع ما يصفونه بـ”شموخ الشهادة ونيل الأجر” كما تقول بعض أمهات المعدمين.

وتعود واقعة الاغتيال إلى يونيو/حزيران 2015 حين انفجرت سيارة مفخخة في موكب النائب العام السابق هشام بركات في حي مصر الجديدة بعد مغادرته محل إقامته متوجها إلى مقر عمله، مما أسفر عن مقتله مع عدد من مرافقيه.

وما فتئت المنظمات الحقوقية الدولية توجه المرة تلو الأخرى انتقادات لاذعة لنظام السيسي، وتؤكد غياب شروط المحاكمة العادلة في القضايا المرتبطة بمعارضة النظام تحديدا، متهمة السلطة التنفيذية بالسيطرة على المؤسسة القضائية.

أشواق الجنان

مثلت وصايا أغلب المعدمين رسائل مزدوجة أخذت من أبعاد “الشهادة” بما هي معنى أثير ومرتبة يتوق إليها كثير من المسلمين المتدينين، وبين التحدي والإصرار على مواجهة نظام السيسي وحالة الدكتاتورية السائدة في مصر.

وتداولت وسائل الإعلام رسالة أخيرة وجهها الشاب أحمد طه وهدان -وهو نجل محمد طه وهدان عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين- إلى ابنته ليلى التي خرجت إلى الحياة بعد اعتقاله بشهور “ليلى بنيتي، اعلمي يا حبيبة قلب أبيك أنه لم يرتكب أي جرم أو ذنب، حبيبتي كان همي حمايتك وإيجاد وطن يحميك، وليس مجرد سجن كبير فيه”.

وختم رسالته بقوله “سامحيني لم أستطع ضمك ضمة أخيرة، أو أقبل جبينك الطاهر، لكني سأنتظرك هناك على باب الجنة، حيث لا فراق ولا وداع.. غاليتي، أحبك”.

ستكبر ليلى التي لم تلتق بوالدها أكثر من مرتين، أولاهما عندما كانت بنت شهر واحد، حيث تمكن والدها من رؤيتها رفقة أمها مع الجماهير المحتشدة في قاعة المحكمة، والثانية في جلسة أخرى بعد أشهر، وانتشرت حينها صور لأمها وهي تشير إليه أن أسنان ليلى قد بنتت، وفي الحالتين لم يتمكن أحمد من ضم ابنته ليلى واكتفى برسم قلب بيديه، وبسمة حزينة، قبل أن يغادر الحياة شنقا، وتأخذ ليلها مسارها ورقمها ضمن أبناء قوافل المعدمين في مصر.

الشهادة غايتنا

أما الطالب في كلية الهندسة بجامعة الأزهر أحمد محروس فقد كتب هو الآخر وصيته الأخيرة يجدد فيها البراءة من سفك دم النائب العام هشام بركات، ويؤكد أنه لا يعرف اسمه ولا شكله.

وختم محروس رسالته بمزيج من أشواق الجنان ورهانات التحدي، مضيفا “اتهمت بقتل رجل أشهد الله أني لم أكن أعرف اسمه ولا شكله، كم تمنيت منذ صغري أن يرزقني الله الشهادة على أبواب المسجد الأقصى، ولكن هي أنفسنا وأرواحنا بيد الله يقضبها كيفما شاء، أرجو من أي شخص أسأت إليه أن يسامحني”.

لم تشفع لمحروس ظروف اعتقاله ولا الشهود الذين سجل أسماءهم في محضر توقيفه بشأن تاريخ توقيفه، فقد كان لمسار التحقيق وعدالة “القضاء الشامخ” رأي آخر يمر -وفقا لبعض المغردين- عبر الصعق الكهربائي والضرب المبرح قبل أن ينتهي على حبل المشنقة.

شاعر المأساة

الشاب أبو القاسم علي يوسف (23 سنة) كان يحلم بأن يكون أحد مشايخ الأزهر وعلماء الشريعة الكبار في مصر، لكن قلم المفتي بعد حكم القاضي وسياط التعذيب قطعا شريط أحلامه ونفذ فيه حكم الإعدام شنقا بتهمة قتل النائب العام السابق.

يقول الفقيه الشاب -وهو طالب في كلية الدعوة بجامعة الأزهر في رسالة منقولة عنه- إنه تعرض لصنوف متعددة من التعذيب الوحشي، من ضمنها التعرية والسير به في عنابر السجن، إضافة إلى الصعق الكهربائي والغمر بالمياه، وإجباره على التلفظ بألفاظ وعبارات ليست مما يدرس الفقهاء في كلية الدعوة “كنت متغمي، قلعوني كل هدومي، ولفوا بيا ما بين العنابر، خلوني أشتم نفسي بألفاظ يعف لساني عن ذكرها وكانوا بيرموا علي مياه” وفقا لرسالة كتبها في سجنه.

ابني في الجنة

محمود الأحمدي هو الآخر طالب في عمر الزهور، ضعيف البنية قوي التحدي، استقبلت أمه جنازته وودعتها بالتهاني وليس الدموع، تقول إن ابنها سينال كل ما حرم منه في حياته، وسيكون شفيعا للأسرة كلها يوم القيامة، لأنه شهيد.

في حواره الأخير مع قاضي الإعدامات أكد الأحمدي أنه تعرض لتعذيب وحشي وصعق بالكهرباء، مجيبا القاضي بعد أن حاجه بالاعترافات المنتزعة منه في مخافر الشرطة، وتحت سياط التعذيب حسب ما قال الأحمدي “اديني صاعق كهرباء وأنا أخلي أى حد يعترف أنه قتل السادات.. إحنا تعذبنا بكمية كهرباء تكفي مصر 20 سنة”.

قدما الأحمدي ساقتاه إلى مصيره المحتوم حين جاء إلى إحدى الإدارات المسؤولة ليبلغ عن اختفاء شقيقه، فتم اعتقاله هو، و”ألبس التهمة” التي انتهت به إلى حبال المشنقة، ثم إلى جنات الخلد كما “تقطع” بذلك أمه الصابرة.

ومن الأسماء التسعة التي طالها الإعدام، وحال “قضاة الإعدام” بينها وبين أفراحها الشاب عبد الرحمن سليمان الذي اعتقل وهو يتسوق برفقة خطيبته لشراء فستان العرس، قبل أن ينتهي كل شيء، وينتقل سليمان إلى عالم آخر، بزفة من الألم والحزن والصبر، ويقول أهله إنه “عريس الجنان”.