كتّاب

الإثنين,5 مارس, 2018
الجمود السياسي في الأزمة الليبية

الفيتوري شعيب

شكل الجمود في الأزمة السياسة الليبية أحد أبرز المعوقات التي تشهدها الدولة كليا، وذلك لكونه لب الأزمة القائمة، فبانفراجه تنفرج باقي الأزمات “الأمنية، والاقتصادية، وحتى الاجتماعية”، غير أن هذا لم يحدث منذ بدايتها في 2014، عندما ظهر للشأن العام الاختلاف السياسي بين المؤتمر الوطني العام والبرلمان، غير أن الأخير لم يكترث بهذا الاختلاف، وخالف الأعراف المعمول بها في استلام السلطة وتسليمها، وذلك بتغيير مقره إلى مدينة طبرق. وعلى إثر ذلك، رُفعت دعوى قضائية في المحكمة العليا الدستورية الليبية تطعن في إجراءات تسليم السلطة واستلامها، حتى حكمت المحكمة في نوفمبر 2014 ببطلان هذا الإجراء، بل وحكمت أيضاً بعدم صحة إجراءات لجنة فبراير التي أنشأها المؤتمر الوطني العام، وكان من نتائجها تشكيل هذا البرلمان، والذي أصبح بهذا الحكم في حكم المنعدم. غير أن حكم المحكمة لم يكترث له أعضاء البرلمان، ولا الداعمون لهم من الدول التي تدعم الثورات المضادة في الدول العربية. وبذلك ازداد الاختلاف السياسي سوءاً، وازدادت وتيرته تسارعاً، لتنتقل آثاره إلى الشأن الاقتصادي، وحتى الاجتماعي، ناهيك عن الوضع الأمني المتوتر أصلاً. وجاء هذا كله في وقتٍ تحتاج فيه مسيرة البلاد السياسية إلى مياه هادئة وآمنة قليلة الأمواج، لتنتقل من المرحلة الانتقالية إلى الدائمة. لتدخل بعدها الأمم المتحدة عبر مندوبيها المتعددين لحل الأزمة السياسة في البلاد، إلى أن وصلت إلى اتفاق غير مكتمل الوفاق، ولا الأطراف، أطلق عليه “اتفاق الصخيرات” الموقع عليه في 17 ديسمبر2015، والذي تمَّ على إثره تشكيل المجلس الرئاسي لإدارة السلطة التنفدية في البلاد، وأوكلت لمجلس النواب،

والمجلس الأعلى للدولة المنبثق من المؤتمر الوطني العام، تسيير البلاد من الناحيتين، التشريعة والسيادية، بالاتفاق بين الجسمين. ومنذ ذلك الاتفاق، وليبيا تعيش حالة ركود سياسي عميق، نتج على إثره تدهور الأوضاع في البلاد أمنياً واقتصادياً، ما جعل الحاجة الآن ملحة لكسر هذا الجمود، بعد مرور نحو عامين من عمر الاتفاق، من دون أدنى تقدم في حلحة الأزمة في البلاد. ولا يتأتّى ذلك إلا بمراجعة الأسباب التي أدت إلى ذلك، سواء الناتجة عن اتفاق الصخيرات، أو غيرها من الأسباب الأخرى، والتي يمكن إجمالها في الآتي:
أولا، بعد أن اتضح في العامين الماضيين من عمر اتفاق الصخيرات عدم قدرة الأطراف الموقعة عليه على إرسائه على أرض الواقع، فإن الواقع الآن، وأكثر من قبل، يتطلب القفز عليه، وإنشاء بديل سياسي جديد يخدم المرحلة المقبلة، إذ يعتبر كثيرون هذا الاتفاق من أسباب الاختلاف بين الطرفين، وبالتالي، فإن النظر إلى جانب الالتقاء أصبح الآن ملزما لجميع الأطراف السياسية الموقعة وغير الموقعة، الداعمة والمعارضة. ولا يمثل هذا الجانب إلا دستوراً تُبنى عليه قواعد الدولة، وتنتشلها من أوهام الاتفاق الموقع بين أشخاص محدّدين إلى اتفاق موقع باسم الشعب، يتمثل في الدستور.
ثانيا، لا يمكن أن يُتصور توافق سياسي من غير وجود دولة تحميه وتتابعه، ولو جزئياً، والتاريخ خير شاهد على ذلك، لأن الدولة لا تنفك عن قوانينها وتشريعاتها في تطبيق هذا الاتفاق أو ذاك. وبالتالي، لا يكون خيار التوافق إلا بوجود مؤسسات الدولة، والتي في مقدمتها دستورها، ما يلزم الطرفين التوافق على مسودة دستور وطرحها للاستفتاء الشعبي، غير أنه، في الوقت نفسه، يجب التركيز عند طرح خيارات التوافق على مراعاة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تمر بها البلاد. وبالتالي، فإن تقديم التوافق وخياراته في هذه الوقت مهم، لأسباب عديدة، منها:
فشل ترتيبات الاتفاق الموقع برعاية أممية، إذ لم يستوعب بشكل حقيقي الأطياف السياسية جميعها، والتي تتبعها غالباً الأطياف المسلحة الموجودة على الأرض. وبالتالي، نراها قد تمظهرت بشكل أكثر حدة في قضايا سياسية كثيرة مختلف في شأنها. ويتمثل هذا الفشل في عجز الأطراف الموقعة على اتفاق الصخيرات على التوافق فيما بينها، ولو جزئيا، في القرارات التي نص الاتفاق على التوافق فيها بين الطرفين (المجلس الأعلى للدولة والبرلمان)، ناهيك عن فشل البرلمان في تمرير هذا الاتفاق أصلاً.
وقد ركزت الجهود في أغلبها لاستيعاب مصالح ووجهات نظر ليست حقيقية، لا من جهة التمثيل، ولا من جهة نظر الفاعلين السياسيين الحقيقيين. وبالتالي، الأصلح تصحيح هذا الخيار.

وبقيت معظم النقاشات المترتب عليها الاتفاقات المختلفة بشأن المرحلة الانتقالية في الغالب، ولم تتعداها إلى المرحلة الدائمة، بل ولم يحاولوا بشكل فعلي الانتقال منها وتحجيم مدتها، واستشراف الترتيبات الفعلية الممكنة في ذلك، بهدف المواءمة بين الواقع والمستقبل، وصولاً إلى الحل الدائم.
إلى ذلك، نرى تقدم الخطاب السياسي المنفصل في الأزمة الليبية غير المترابط في الغالب، والذي يعالج ويناقش القضايا السياسية المختلف فيها “بالتجزيئة”، ما نتجت عنه انقسامات جديدة متجدّدة، صَعَّبت من الوصول إلى حزمة واحدة من الاتفاقات “الكلية” في طورها الواقعي، وليس التنظيري غير الفاعل على الأرض.
وبالجملة، فإن مرد الجمود في الأزمة الليبية هو إلى الوقائع الفعلية سابقة الذكر، والتي تستلزم النظر فيها لكسر هذا الجمود، وخصوصا في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد، في ظل ظهور سيناريوهات جديدة، يدفع بها الأعداء، لا الأصدقاء، للدخول بها إلى أتون الاستقطابات الإقليمية الأكثر حدة، بغرض جعلها ساحة للصراعات الدولية على حساب مصالح الدولة وشعبها، وليس أقلها الاستنزاف الحاصل بين الكيانات السياسة والتنفيذية، أو حتى مزيد من الضرر الحاصل في الحالة الاقتصادية والاجتماعية، كما أن طول مدة هذه الأزمة مهَّد السبيل أمام مزيد من التدخلات الخارجية السلبية التي يجب وضع حد لها أولاً، وللأزمة التي تعصف بالبلاد ثانياً.