ورقات

الأحد,19 يناير, 2020
الجمهورية العربية الإسلامية تونس ليبيا (جانفي 1974).. الوحدة التي كتبت على جذاذة فندق وأعلنت حتى لا تقع.. من كان المستفيد في الداخل والخارج؟

في مثل هذه الأيام سنة 1974، كانت العلاقات التونسية الليبية تعرف أزمة عميقة ستستمرّ لسنوات كثيرة بعد أن بلغت العلاقة بينهما في 12 جانفي 1974 أوجها وكادت أن تتحوّل الدولتان إلى دولة واحدة وشعب واحد وجيش واحد وعلم واحد ونشيد واحد ورئيس واحد ونائبه.

القصّة انطلقت عندما تلقّت الرئاسة التونسية مكالمة هاتفية من العقيد الليبي معمّر القذافي يريد فيها التحدّث إلى الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الذي كان في زيارة إلى ولاية نابل استمرّت يومين. بعد المكالمة، وقبل أن يتحوّل إلى العاصمة ومنها إلى أحد فنادق جربة يوم 12 جانفي في الوقت الذي سبقه معمّر القذافي إلى هناك يوم 11 جانفي 1974 حسبما رواه مدير الأمن الرئاسي السابق رفيق الشلّي.

وقد رافق بورقيبة في اجتماع جربة عدد من وزرائه ومن بينهم وزير الداخلية الطاهر بلخوجة ومدير الديوان السياسي محمد الفيتوري ومحمد المصمودي وزير الخارجية الذي كان يدعم بشدّة هذا الاتفاق الذي كان سببا في التخلص منه.

أمضى بورقيبة والقذافي، منفردين في غرفة على اتفاق جربة الذي كتب على جذاذة تحمل شعار الفندق، والذي يقضي بتوحيد الدولتين الجارتين تحت راية دولة واحدة تسمى الجمهورية العربية الإسلامية، تكون خاضعة لسلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية ودستورية واحدة، على أن يكون بورقيبة رئيسها والقذافي نائبا له.

علم الجمهورية العربية الإسلامية

وكان توقيع اتفاق الوحدة بين تونس وليبيا حدثا مهما ومفصليا في تاريخ تونس آنذاك، نظرا للظروف التي جاء فيها إبرامه، خصوصا وأن إعلان الاتفاق جاء في ظروف غامضة وبصفة مفاجئة على إثر انعقاد مقابلة بين الزعيمين في جزيرة جربة بعد زيارة غير مبرمجة مسبقا من العقيد الليبي.

وقرر الرجلان آنذاك أن تتم المصادقة على الاتفاق بعد إقامة استفتاء شعبي بين البلدين، لكن وأمام وجود فراغ قانوني في الدستور التونسي يسمح بإجراء استفتاء من هذا النوع فقد وقع تأجيل التنفيذ إلى وقت غير معلوم.

عودة الهادي نويرة ووسيلة والتراجع عن الوحدة

لمّا أمضى بورقيبة اتفاقية الوحدة يوم 12 جانفي 1974، كان الوزير الأوّل وخليفة بورقيبة المنتظر الهادي نويرة في طهران وكان زوجة الرئيس وسيلة بن عمّار في رحلة بين الكويت ولبنان ولم يكن بورقيبة قد استشار حول الاتفاقية أكثر من الذين رافقوه في رحلة جربة وهذا ما جعل عدد رافضي الاتفاقية كبير وفي مقدّمتهم وسيلة ونويرة اللذان كانا رفضا اتفاقية الوحدة في وقت تحدّث فيه مؤرّخون وإعلاميون عن أهمية الموقف الفرنسي في المسألة والذي كان رافضا لهذه الاتفاقية وهو ما جعله يحرّك المقرّبين منه في القصر وفي القصبة حيث قطع نويرة زيارته لطهران وعاد لتونس ليساهم مع مجموعة من السياسيين والمفكّرين في منع الوحدة بين تونس وليبيا ممّا أضطرّ بورقيبة للعدول عن موقفه ونقض وعده للقذّافي ومغادرة البلاد نحو جنيف من أجل أخذ قسط من الراحة فيما عرفت العلاقات التونسية الليبية توتّر كبير أدّى انجرّ عنه طرد العمال التونسيين من ليبيا والقيام بعديد محاولات الاغتيال في حقّ بورقيبة وخاصة الهادي نويرة وانتهت بعملية قفصة في جانفي 1980.

بورقيبة وزعامة البلدين

يقول وزير الداخلية آنذاك الطاهر بلخوجة والذي حضر اجتماع جربة إنّ العقيد الليبي معمّر القذّافي قد أغرى بورقيبة ولعب على الوتر النفسي وبيّن له انه سيصبح رئيسا لدولتين أو بالأحرى لدولة كبيرة تجمع كل من تونس وليبيا وزعيما لقطر مغاربي كبيرا جدا.

كان بورقيبة يرى دائما في نفسه الزعيم القادر على قيادة أكبر من تونس ورغم واقعيته السياسية فقد وافق، ظاهريا، بل كان مصرّا على هذه الوحدة، لولا رفض أغلب السياسيين آنذاك وخاصة نويرة ووسيلة بن عمار.

فبورقيبة الذي ظهر واقعيا في 15 ديسمبر 1972 ساخرا من معمّر القذّافي في قاعة “البالماريوم” ومن دعواته لتشكيل قوّة تواجه الولايات المتحدة، ظهر في اتفاق 1974 مقبلا على أفكار القذّافي وداعما لفكرة الوحدة.

الفرار إلى جينيف

بعد تراجعه عن الوحدة مع ليبيا، خيّر بورقيبة الابتعاد والذهاب إلى جنيف حيث سيركن للراحة لمدّة أيام بعد الضغط الذي عاشه وهو ما فاجأ الجميع في تونس وكذلك صدم القذّافي الذي استقل طائرةً خاصة وتوجه على وجه السرعة إلى جنيف من أجل اللحاق ببورقيبة، فما كان من الهادي نويرة إلا أن لحق ببورقيبة في جنيف هو أيضا مع بعض من وزرائه لكي لا يواجه الرئيس التونسي الزعيم الليبي منفردا.

وخلال لقاء بورقيبة بالقذافي في جنيف، حاول إقناعه أن هنالك إشكاليات دستورية وقانونية قد وقفت حاجزاً أمام تفعيل الاتحاد مع ليبيا، كما شدد على ضرورة التروي من أجل بناء وحدة ناجحة وعلى أسس صحيحة وقوية تحقق مكاسب كبرى للبلدين وليتحد المغرب العربي ككل، إلا أن القذافي لم يقتنع بكلام بورقيبة واعتبره غير منطقي، ليدخل البلدان بعد ذلك في أزمة دبلوماسية عميقة استمرت لعدة سنوات.

ورأى كثيرون في سلوك بورقيبة ارتباكا وعدم تقدير لجسامة ما وقّع عليه، فكان الذهاب إلى جنيف بعد أيام من توقيع اتفاقية الوحدة هربا من مواجهة الخطأ الذي ارتكبه، حيث يقول بلخوجة وزير الداخلية إن الارتباك كان أهم ما ميّز القرار التونسي في تلك الفترة

استعادة الوثيقة

يقول وزير الاقتصاد البارز في عهد بورقيبة منصور معلّى إن مطامع القذّافي كانت كبيرة وكان يطمح إلى خلافة بورقيبة، مبيّنا أن القذافي كان يهدف إلى تأسيس دولة كبيرة تمتد من ليبيا إلى تونس.

كما ذكرت بعض التصريحات أنّ الحبيب الشطي، حذّر بورقيبة من عواقب الوحدة وقال له: “كيف تبيع تاريخك أيها الزعيم وتضحي بالحزب الدستوري مقابل الوحدة مع ليبيا؟”. فأجابه بورقيبة: “إن ليبيا ستسدد كامل ديون تونس، كما سأكون أنا رئيسا للدولتين معا”، فقال له الشطي: “إن معمر القذافي لا يؤمن له جانب، وما دام الجيش بيده فيمكنه أن يقصيك من الحكم متى شاء”. ولما سمع بورقيبة هذا الكلام خاف وعدل عن مشروع الوحدة”، حسب الشطّي.

وبعد فشل اتفاق الوحدة أصرّ بورقيبة على أن تعيد ليبيا لتونس وثيقة الوحدة الموقعة بين البلدين ظنا منه بأنه في حالة وفاته فإن ليبيا سوف تستخدمها لفرض الوحدة بالقوة على تونس. فدارت لقاءات ونقاشات مطولة بشأن هذه الوثيقة وأحقية تونس في استرجاعها. وفي النهاية توجت هذه المفاوضات بموافقة العقيد الليبي على تسليم الوثيقة، فتحول بنفسه إلى تونس وسلم الوثيقة إلى بورقيبة الذي كان سعيدا وممتنا للقذافي على هذه الحركة التي قام بها.

قالوا عن الوحدة

محمد مزالي: هكذا تم إعلان جربة دولة جديدة ودستور واحد وعلم ورئيس واحد وجيش واحد ومجلس شعب واحد يجمع ممثلين عن ولايات البلدين ومؤسسات موحدة تشريعية وتنفيذية وقضائية وتم اختيار علم الدولة الجديدة ذي ثلاثة ألوان أبيض وأحمر وأسود مع وجود الهلال والنجمة رمزا لتونس وأصبح لهذه الدولة ثلاث عواصم، طرابلس في الشتاء وقرطاج في الصيف والقيروان عاصمة شرفية.. هي رحلة الشتاء والصيف، وفي الساعة الخامسة من نفس اليوم قرأ المصمودي على موجات الأثير إعلان (جربة) وبالرغم من كوني وزيرا وعضوا بالديوان السياسي فإنني فوجئت مثل جميع المواطنين بسماع الخبر مثلهم عن طريق الإذاعة.

منصور معلى: فكرة إبرام الوحدة بين تونس وليبيا كانت عميقة جدا لأن بورقيبة كان يعتقد أن تونس، البلد الصغير من حيث إمكانياته الطبيعية، لا يجب أن ينحصر بين عملاقين هما الجزائر ومصر خاصة أن مصر في تلك الفترة كانت تطمح إلى الوحدة مع ليبيا وكان بورقيبة يخشى إبرام هذه الوحدة لأن الأولى لديها العسكر والثانية لديها البترول، في حين لا تمتلك تونس سوى مواردها البشرية وهو ما قد يسبب بعض الإشكاليات والخطر لبلادنا.

مصطفى الفيلالي: اتفاق الوحدة كان مبادرة سريعة  متسرعة جدا لأنها وقعت في غياب الوزير الأول الذي كان في زيارة عمل بإيران، كما كان وزير الخارجية محمد المصمودي وراء هذا المقترح الذي تم توقيعه بطريقة غير قانونية وغير ديبلوماسية وتم اختيار تركيبة الحكومة ، “حكومة الوحدة”.

الطاهر بلخوجة: كان الارتباك سيد الموقف في مشوار الرحلة إلى جربة وشعرت بخطورة ما يجري لأني أعرف جيدا نوايا العقيد وهواجسه التي تؤشر على أنه هناك خطورة ما تنتظر تونس من جراء هذا التوجه حيث كان على نقيض بورقيبة منشرحا وواثقا في نفسه ومتألق النظرات كما هو شأنه دوما في اللحظات الصعبة.. التقينا القذافي والقذّافي انفرد ببورقيبة ليخرج لاحقا من الاجتماع مهنئا بقية أعضاء الوفد بالاتفاق على الوحدة بقوله: “مبروك” وكذلك بادر بتهنئة الرئيس الجديد للقطرين التونسي والليبي، الزعيم بورقيبة.

قذّاف الدم: لقد تدخّلت فرنسا لإفشال الوحدة بين ليبيا وتونس ثم تدخّلت ثانية لإفشال مخطط عملية قفصة، التي وقعت في 1980، بقيام عشرات المسلحين، الذين ينتمون لفصائل من المعارضة التونسية، بالاستيلاء على المدينة، ودعوة سكانها للانضمام إلى الثورة المسلحة، والدعوة للإطاحة بالرئيس بورقيبة.

هكذا استفاد بورقيبة ونويرة من وحدة مجهضة مسبقا

ركّزت بعض القراءات لاتفاقية الوحدة على حيثيات برّأت بورقيبة من المسؤولية على تلك “المسرحية” المتقنة الإخراج التي حققت أهداف مدبّريها بزرع التضليل بين المشاركين فيها والشهود عليها. ولا يزال الكثيرون يرون ذلك الحدث خطأ وقع تصويبه، بينما كانت الوقائع تتوالى مترابطة في اتجاه مقصود، كان بورقيبة فاعلا رئيسا فيه.

ومن الهوامش التي تم التركيز عليها اكتشاف العلاقة المريبة بين الجنرال زين العابدين بن علي والعقيد القذافي الذي اقترحه مديرا للأمن العسكري، وهو ما كلّفه الإبعاد إلى بولونيا. وقد كشفت شهادة مدير الأمن الرئاسي السابق رفيق الشلّي أنّ القذافي جنّد بن علي استخباريا منذ سنة 1972 حتى تدرّجه في المناصب الأمنية براتب شهري.

وقد نجح بورقيبة، رجل القانون في إيهام العموم أنّه كان غير مدرك، مسبقا، لاستحالة تنفيذ اتفاقية الوحدة التي تنصّ على إجراء استفتاء غير منصوص عليه في الدستور التونسي الذي يتطلب انعقاد البرلمان لتحويره والمصادقة على بند آلية الاستفتاء ثم المرور إلى إجرائه، في حين أنّ الاتفاقية الموقعة يوم الأحد 12 جانفي 1974 كانت تنصّ على إجراء الاستفتاء يوم الجمعة المقبل أي بعد 5 أيام وهو أمر مستحيل، ولا يمكن التسليم بأنّ بورقيبة لم يكن واعيا بذلك.

وهل يمكن التسليم أيضا بأنّ بورقيبة كان مقبلا على الوحدة مع ليبيا في محيط إقليمي رافض لها (الجزائر وليبيا) وعدم قبول دولي (فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية)؟

تشير برقية لمكتب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بتل أبيب إلى أنّ السفير الأمريكي بتونس التقى بورقيبة بعد توقيعه اتفاقية الوحدة، وطمأن بورقيبة خلال المقابلة السفير الأمريكي بأنّ الوحدة لن تتعارض مع العلاقات الأمريكية التونسية، كما تحدث بورقيبة عن احتمال تعاون اقتصادي ثنائي أكبر.

وحسب الوثيقة، فإنّ السفير وجد بورقيبة في حالة من التعب الشديد ولم يكن قادرا على التعبير بشكل جيد، وربما كانت الحالة الذهنية لبورقيبة تجعله غير مسؤول كليا عن القرار المفاجئ الذي اتخذه، وفق رواية السفير الذي ذكر في إفادته أنّه يرى أنّه في بانتظار فهم أكمل لما حصل، فإنّ المصالح الأمريكية لن تتضرّر في المدى القريب.

ورجّحت برقية المخابرات المركزية الأمريكية أنّ المعطيات الأوّلية تظهر أنّ الوحدة التونسية الليبية هي أمر مستبعد التحقق. وأشارت البرقية أيضا إلى المعلومات المتداولة حول إقالة مهندس الاتفاقية محمد المصمودي.

وهكذا تمكّن بورقيبة خلال مقابلة السفير الأمريكي، وبأسلوبه المسرحي المعتاد، من إقناع الإدارة الأمريكية بأنّ ما حصل غير جدّي بالمرّة، وتجنّب أيّ ردّ فعل عقابي من القوة العظمى.

محمد المصمودي

وكشفت الوقائع المتسارعة أنّ بورقيبة نفّذ مخططا محبوكا وقع فيه استخدام القذافي. وتمّكن خارجيا من تقوية مركز التفاوض مع فرنسا والولايات المتحدة والجزائر، فكانت “جذاذة الوحدة” مناورة استدعت تجديد الحماية والدعم من هذه القوى لنظام بورقيبة من العدوّ المتربّص القذافي، وتخلّص من عبء محمد المصمودي بأن مسح به الخطأ المزعوم، كما كشف أيضا عن أعوان القذافي في تونس، وفسح المجال لرفيقه الهادي نويرة الذي أعلنه خليفة له في حالة وفاته، وكان قد تخلص قبل ذلك في جانفي 1972 من اللدود أحمد المستيري الذي أطرد من الحزب الاشتراكي الدستوري.

ويشار إلى أنّ اتفاقية الوحدة المجهضة جاءت سنة واحدة قبل تحوير الدستور التونسي وإعلان بورقيبة رئيسا مدى الحياة.