كتّاب

الأحد,4 يونيو, 2017
التونسيون: هل الكاميرا الخفية تشبهنا؟

منذ سنوات قليلة، غدت الكاميرا الخفية بمثابة إحدى وجبات الإفطار التي ينتظرها التونسيون كل شهر رمضان، ولا يستطيعون التنازل عنها، فقد جربت التلفزة الوطنية (القناة العمومية) مرةً الاستغناء عنها، فتركت مرارة وحسرة كبيريتين لدى جمهورٍ سرعان ما هجرها باحثا عن مثيلاتها في قنواتٍ أجنبية أخرى. تشبه الكاميرا الخفية أكلة “البريكة” التونسية الشهيرة، فهما لا تغيبان عن موائد الإفطار. اكتشف التونسيون الكاميرا الخفية في بداية تسعينات القرن الماضي، حيث تمت “تونسة” عديد من نسخها الأجنبية، فلقد تفطّن المشاهدون، بعد أن أمكن لهم التقاط قنواتٍ عديدة، بفضل التقدم التقني والانفتاح الإعلامي أواخر العقد الماضي، إلى أن عديداً من تلك النسخ مستوحى من برامج أجنبية ذائعة الشهرة في هذا المجال تحديدا. ومع ذلك، لا نستطيع إنكار أن “تونسة” الكاميرا الخفية، شكلا ومضمونا، على يد مخرجين محترفين أو هواة كان علامة بارزة في المشهد الإعلامي التونسي، وهو لا يخلو من ابتكار أحيانا في زمنٍ كان النقد بحسبان. عاش التونسيون عقودا طويلة تحت إعلام أحادي هو بوق دعاية للنظام السابق. ولكن، مع التعدّدية النسبية التي عرفها المشهد الإعلامي التونسي، حتى قبيل سقوط النظام، والتي كانت في مجملها لفائدة مقربي الرئيس من أقاربه وأصهاره وأعوانه، عرفت الكاميرا تعدّدا وتنوعا في الأشكال والمضامين. وأحدثت بذلك نوعا من التنافس، على الرغم مما طالها من فساد في علاقة بشركات الإنتاج التي سيطر عليها حاشية النظام في مخالفة القوانين، والتي لا زالت ملفاتها القضائية معروضةً على المحاكم التونسية.
 
تقوم الكاميرا الخفية التونسية بشكل خاص، وبقطع النظر عن مواضيعها على الثنائية المألوفة في مثل هذه البرامج: المزاح والرعب، أي مزيج من “الدعابة الثقيلة”، حيث يحشر الضيف في دوائر الاستفزاز والإثارة إلى حد البهدلة، أو الإهانة أحيانا، أو وضعه موضع اختبار تحت أطنان هائلة من الرعب إلى حد “التعذيب”.
بعد الثورة تحديدا، استفادت الكاميرا الخفية في تونس من مناخ الحريات والتعدّدية، وأصبحت سوقا تتنافس عليه القنوات التلفزية، وتجلب به نسب المشاهدة الأعلى التي تدر أرباحا طائلة من عوائد الاشهار، على الرغم من تجاوزاتٍ عديدة سجلت، خلال السنوات القليلة الماضية، لم تفلح هيئة الاتصال السمعي والبصري في التصدّي لها في مناخ من الانفلات الشامل الذي كان الإعلام أبرز علاماته. لذلك، يسجل هذا البرنامج تجاوزاتٍ بالجملة على غرار هتك المعطيات الشخصية، تحقير المشاهد، إثارة النعرات الجهوية والدينية، الصور النمطية.. إلخ. بل تجرأت الكاميرا، مرة، لتبرز شهداء الثورة أشباحا، وأرواحا شريرة تطارد المواطنين، غير عابئةٍ بعائلات الشهداء والذائقة العامة للناس.. إلخ.
كما استطاعت الكاميرا الخفية، بفضل هذا المناخ الحر، اقتحام مواضيع ظلت، سنواتٍ عديدةً، “ممنوعة”، على غرار الفساد والرشوة وبهرج السلطة واستغلال النفوذ.. إلخ. وهي بهذا، ولا شك، تعكس تطورات مهمة في تاريخ تونس الراهن، كما أن هذه الحرية قد منحتها ضحايا جدداً، أغلبهم من الساسة، على غرار قادة الأحزاب وأعضاء مجلس نواب الشعب، ومسؤولين محليين وكوادر عليا في الدولة. لا يمكن أن ننكر طبعا أن مثل هذا المناخ قد وفر للمنتجين والمخرجين مجالاتٍ واسعة من التخيل، فعدّد أمامهم فرص الخلق والابتكار، على الرغم من التردّي الذي سجل في السنوات الأخيرة، والذي يعود، حسب بعضهم، إلى ثقافة الاستسهال وغياب الحرفية لدى عديدين تحولوا، بقدرة قادر، إلى مخرجي كاميرا خفية، وهي جنسٌ دقيقٌ يتطلب كفاءات ومهارات خاصة. ظلت الأفكار، خلال هذه السنوات القليلة، مكرّرة، ولم تستطع أن تشكل استثناءً، ما يعني أن الاستفادة من مناخ الحرية لم يكن بحجم تلك السماء المهداة إلينا، فباستثناء حالاتٍ نادرة، عادة ما يتحول ذلك “المزاح الثقيل” إلى ما يشبه استبلاه الضحية، أو استغباء له، وهو الذي عادة ما يكون منتميا إلى الفئات الشعبية الدنيا. أما علية القوم، فلا أحد يتجرأ عليهم بمثل هذه الإثارات المستفزة وتتخير لهم وضعيات ومواقف أكثر “نعومة ونبلا”.
ينتمي ضحايا الكاميرا الخفية في تونس إلى الطبقات الشعبية، وبعض نجوم المجتمع من فنانين ورياضيين، غير أن القائمة توسعت، فصارت تشمل، في السنوات الأخيرة، السياسيين خصوصا، كما أوضحت السطور السابقة، فخلال موسم رمضان الجاري، ومن خلال الحلقات التي بثت إلى الآن، سقط في فخ الكاميرا الخفية عدة أسماء من هذه الفئة، بقطع النظر عن توجهاتها وميولاتها. أما أبرز عمل خلال هذا الموسم فهو “الماسك” (القناع) الذي يجسد فيه أحد الممثلين، استنادا إلى تقنية القناع، شخصيتين سياسيتين، هما الرئيس الباجي قائد السبسي تارة، وزعيم حركة النهضة، الشيخ راشد الغنوشي، تارة أخرى، حيث يتم استدراج أشخاص منتمين إلى أوساط اجتماعية مختلفة، ليجدوا أنفسهم مباشرةً أمام أحدهما وبشكل فجائي، وتتطور المواقف تبعا لوضعياتٍ أحيانا محرجة ومعقدة. تقدّم هذه الكاميرا الشخصيتين المذكورتين في مواقف طريفة، تسبطن صورةً يراد تشكيلها حولهما: السلطوية والخرف معا، وقد يكون سنهما المتقدّم أحد أسباب هذا التركيز على تلك السمات تحديدا.
أما البرنامج الثاني الذي أثار جدلا حادا فهو “الكلينيك” (المصحّة)، اذ تتالى ردود الأفعال متباينة. يتم استدراج الضحية عبر هاتف، وتحت مفعول التخدير، يستفيق، ليجد نفسه مشوه الخلقة، ولعل ذلك ما دفع أوساطاً طبية عددية إلى فتح تحقيق جدي في هذه الممارسات، باعتبارها مخالفة للقانون وللاخلاقيات الطبية، فضلا على زائد العنف المبتذل تجاه الضحية.
يقول بعضهم إن الكاميرا الخفية تشبهنا كثيرا، نحن التونسيين، بفائض العنف الذي تفشّى فينا، وبأنهار الرداءة التي اجتاحتنا. ولكن يرد آخرون أنها ليست منا، وهي مفروضة ضمن سياساتٍ ممنهجة للتنميط و”البهدلة” و”التتفيه”، تشفيا من قيم الثورة وأحلامها وآمالها. يقسم هذا الجدل الرأي العام إلى مخيمين في الأوساط الإعلامية والثقافية، كما تجليه وسائل الإعلام المختلفة، ومنها الشبكات الاجتماعية للتواصل.