كتّاب

الجمعة,12 يناير, 2018
التعويل على المنحرفين لفرض .. أجندات مشبوهة عنوان الإفلاس

منجي المازني

ونحن نعيش الذّكرى السابعة لثورة 17-14 أعيد إلى أذهان النّاس شريط الأحداث الدامية التي أدّت إلى هروب المخلوع زين العابدين بن علي، من خلال فرض مواجهات ليلية جديدة مع الأمن وما اقترن بها من سرقات ليلية وحرق منشآت عمومية وإدخال الخوف والرعب على المواطنين. ولئن كانت مواجهات 2011 وما اقترن بها من فوضى مفصلية في هروب المخلوع، إلاّ أنّها اليوم في ظلّ المناخ الديمقراطي الذي نعيشه في تونس لن يكون لها أية جدوى. ذلك أنّ المخلوع لم يترك للنخب وللطبقة السياسية وللمجتمع المدني أي خيار للتعبير عن الرأي وللاحتجاج غير المواجهات الليلية الدامية والتصادم مع الأمن وإشعال النار في البلاد طولا وعرضا. أمّا الآن وقد تركّزت أغلب المؤسسات الدستورية ونفّذت الاستحقاقات الانتخابية وتحقّق للشعب ما كان يطمح إليه من منابر إعلامية حرّة ومن مؤسسات تشريعية منتخبة تعبّر عن رأيه، ومن قوانين تكفل له حريّة التنظّم والاحتجاج فإنّه بات من العار ومن الإفلاس الأخلاقي والسياسي التعويل على بعض الشباب المراهق والمهمّش -والمتسكّع أحيانا- لفرض أجندات سياسية ليلا وفي جنح الظلام. كما يتقاطع هذا الصنيع مع ما صرّحت به النائبة سامية عبّو عن بصفة غير دقيقة حيث أجابت زميلها في المجلس الحبيب خضر بأنّ النهضة عادت إلى تونس عن طريق الاحتجاجات الليلية. وأضافت بأنّ المتظاهرين قاموا بمسيرات وباحتجاجات في النهار فتمّ التعدّي عليهم من طرف الأمن فاحتجّوا ليلا. وإذن فمادام الأمن يلاحقهم ليلا نهارا فلماذا لا يقومون باحتجاجاتهم في وضح النهار أمام كل العالم. ؟

كما يتعارض هذا مع ما صرّح به النائب المستقل عدنان الحاجّي في مجلس النواب حيث برّر السرقات بالقول : لا يمكن انتظار شيء من الشعب غير سرقة البنوك والقباضات أمام استفحال الفساد والثراء الفاحش. وما حدث من الاحتجاجات الأخيرة من سرقة ونهب هو شيء عادي ومبرّر مادام الحاكم يغنم فلا بدّ للشعب أن يغنم. وكلّ التنبّؤات تقول بأنّ هذه السنة هي سنة دم – مازال الضرب القدّام وحضّروا رواحكم-. فهذا النائب فرغم تاريخه النّضالي فإنّه بات يشرّع للفوضى والتهديد في دولة القانون والمؤسسات ودولة الديمقراطية الوليدة.

أمّا الجبهويون فمن المفارقات أنّهم باتوا يغالطون الشعب والرأي العام في كلّ تدخّلاتهم. حيث صرّحوا في كلّ المنابر بأنّهم اقترحوا حلولا واقعية على الحكومة غير أنّ هذه الأخيرة لم تقتنع بها ولم تجسّدها على أرض الواقع. ولكن ومتى كانت الحكومة تنفّذ مشاريع وحلول الأقلية ؟ وهذا عين ما ردّ به عليهم النائب عن حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي في تدخّل تلفزي بقناة فرانس 24 حيث قال :لا تعرضوا هذه الحلول على الحكومة بل أعرضوها على الشعب في المحطّات الانتخابية. ولقد حدث وعرضتموها في 2011 وفي 2014 ولم يساندكم الشعب.’

وفي ذات السياق، أكّد النائب عن حركة النهضة محمّد بن سالم في تدخله بمجلس النواب يوم 9 جانفي أنّ الجبهة الشعبية هي التي صوّتت على الفصل 39 الذي يقضي بالزيادة في الأداء على القيمة المضافة بنسبة 1% في غياب كتلة حركة النهضة التي كانت محتجّة وخرجت من القاعة. فالجبهة صوّتت للزيادة في الأسعار نكاية في النهضة. فإذا تقاطعت مصلحة الشعب مع عداء النهضة فالأولوية لعداء النهضة على مصلحة الشعب. وهنا تتحمّل الحكومة وتحديدا حركتي النداء والنهضة قدرا كبيرا من المسؤولية لأنّهما لم تقوما بالمساعي الإعلامية الحثيثة واللازمة لشرح الأمر بالقدر المطلوب لعموم الناس.

وخلاصة القول أنّ اليسار وتحديدا اليسار الاستئصالي ، أضحى يقلّب الأمور بحقد إيديولوجي أعمى ودفين يمنع عنه الرؤية الواضحة نحو كل توجّه إصلاحي توفيقي يجمع الشعب على كلمة سواء. ليس هذا فقط بل إنّه جاء في تصريح السيد نجيب الشابي لجريدة البيان التونسية بتاريخ 8 جانفي 2018 : إنّ إزاحة حركة النّهضة من الحكم يعتبر أحد شروط إنقاذ البلاد. وتذكّرني هذه المواقف بموقف إبليس من التقيّد بأوامر الله حيث أعماه التكبّر وأغشى بصيرته. ومعلوم أنّ إبليس قد ارتقى إلى صف الملائكة بصلاحه وتقواه. ثمّ أراد بعد ذلك أن يتزعّم حركة النضال والصلاح إلى الأبد. فلمّا تيقّن أنّ مخلوقا آخر سينافسه على هذا الشرف وسيسبقه إليه تنكّر وتكبّر وعصى. ورضي أن يدخل النّار على أن يسجد لآدم سجود تحيّة وتقدير. وجاء في الأثر أنّ إبليس جاء إلى موسى عليه السلام وقال له أريد أن أتوب. فكلّم موسى الله في شأن إبليس. فقال له الله أبلغه بأنّ عليه أن يسجد على قبر آدم. فكانت إجابة إبليس لم أسجد له حيّا فكيف أسجد له ميّتا. وإنّ لله في خلقه شؤون !!!. على أنّ إبليس بعظمة كفره وتكبّره يعتبر أشرف من بعض أصحاب التكتلات السياسية حيث لم يثبت عليه الكذب والتنكّر للمواقف وقال أنا خير منه فيما أنّ الجبهويين صوّتوا لقانون المالية ثمّ تنكّروا له وكذبوا على الشعب.