كتّاب

الإثنين,2 يوليو, 2018
التسوية في الإرث وقاعدة التناصف:استعجال نخبوي لتحديث فوقي

لنتوقف عند مشروع المساواة في الميراث الذي يسعى الرئيس قائد السبسي والدائرة المحيطة به إلى إعداده لمصادقة مجلس النواب مع احتمال إلزام كافة التونسيين والتونسيات بالعمل به. يطرح هذا المشروع مسألتين هامتين : أولاهما مدى مقبوليته الاجتماعية وبالتالي شعبيته، وثانيتهما مدى إلحاحية الحاجة إليه وفائدته لحلّ المشكلات والصعوبات التي تمر بها تونس في المرحلة الراهنة.
ورغم وعينا بما يمكن أن يثيره نقدنا للتعاطي الإيديولوجي والسياسوي مع هذه القضية من ردود فعل بعيدة عن العقل وإدراكنا لوجود ضغط فكري قوي يمارسه الوسط الحداثوي والنسوي للدفع إلى ما يريده ولو بإقصاء الرأي المخالف، فإننا مصرّون على انتزاع حرية الكلمة وممارسة حقنا في الدعوة إلى معالجة موضوعية ورصينة لهذه المسألة. وسنعتمد في ذلك ما جاء في معطيات بحثين علميين تناولا أبرز جوانب المشهد الديني في تونس واتجاهات وممارسات التونسيين ذات العلاقة بالشأن الديني. وليس بخاف أن هذه الاتجاهات تمثل حصيلة تطوّر تاريخي بدأ مع صدمة الحداثة منذ قرن ونصف وشهد مراحل وصيغا عدّة من تفاعل مجتمعنا بموروثه وتقاليده مع تيارات الحداثة وبالخصوص ما حرصت الدولة الوطنية على رسمه وتجسيده من سياسات تربوية وثقافية ودينية يقودها هاجس التحديث وكان لها أعمق الأثر في تنشئة أجيال التونسيين.
خلافا لما ادعاه بعض السياسيين والإعلاميين سنة 2016 من أن غالبية من التونسيين تبلغ 85% موافقة على التسوية في الإرث، ودون الاستناد إلى سبر آراء علمي تنجزه مؤسسة ذات مصداقية، فإننا سنورد نتائج بحثين ميدانيين متتاليين أنجزتهما مؤسسة بحث مختصة ومهنية على عينة ممثلة من التونسيين. البحث الأول أنجز في نهاية سنة 2014 من قبل منتدى العلوم الاجتماعية التطبيقية بالاشتراك مع المرصد الوطني للشباب والمعهد العربي لحقوق الإنسان، وصدرت نتائجه في تقرير الحالة الدينية بتونس لسنة 2015، وكان كاتب هذه السطور هو المنسق العلمي للتقرير. وقد كشف البحث أن نسبة هامة من التونسيين تبلغ 66 % ترفض فكرة المساواة في الإرث.
أما البحث الثاني والذي أنجزته نفس المؤسسة بالاشتراك مع مؤسسة مؤمنون بلا بحدود في نهاية سنة 2015 فقد صدر منذ أسابيع بالمجلّد الرابع من كتاب “الحالة الدينية في تونس 2011-2015″ وقد ساهمنا في هذا الجزء الرابع في تحليل جانب من معطيات البحث الميداني. وهذا ما أوردناه بخصوص النقطة المتعلقة بالإرث : ” تبقى مسألة الإرث وهي التي تردّد بشأنها بورقيبة كما يتحفز على المساس بها قطاع كبير من النخبة الحديثة لوجود حكم قرآني صريح فيها وربما لانعكاساتها على التوازن التقليدي بين المجتمع الرجال والمجتمع النسائي. على أن ذلك لم يمنع التيّار النسوي من الإلحاح على طلب التسوية في الميراث كما حصل من جمعية النساء الديموقراطيات وكما تجلى من مبادرة اقتراح قانون أساسي على البرلمان قدّم في شهر ماي 2016 وطالب بإرساء قاعدة التسوية في المنابات”.
” أما عن الرأي العام التونسي فيتضح من معطيات المسح الحالي أن ما يقارب ثلثي التونسيين يرفضون المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة (64,7 %) مقابل 7،27 % يعتبرونها مقبولة و6،7 % يعتبرون أن المسألة مندرجة في باب الحريات”.
“من ناحية ثانية يتكرر الفارق في الرأي بين الجنسين حتى وإن نزلت نسبة النساء الموافقات على المساواة، إذ بلغت 42 % مقابل 58 % حالات رفض، بينما استمر الرجال على رفضهم وبنسبة تبلغ 6،71 %. وفي كل الحالات فإن النتائج التي انتهى إليها بحثنا تبيّن بطلان ما سوقته بعض مؤسسات سبر الآراء في شهر ماي 2016 من أن 85 % من التونسيين موافقون على قسمة الميراث بالتساوي، والذي جاء في سياق مبادرة تشريعية بهذا الشأن “.
على عكس ما روّجت له بعض الأوساط فإن أبحاثا علمية بيّنت أن نحو ثلثي التونسيين، بما فيم أغلبية من النساء، لا يوافقون على التسوية في الإرث

ما الذي يمكن قوله إزاء هذه المعطيات ؟ ولنفرض جدلا أن الرجال جميعهم يعارضون المساواة لأنها تضر بمصالحهم. فكيف نفسّر عدم تحمّس أغلب النساء وهن النوع الاجتماعي المفترض أن يستفيد من هذا التشريع ؟ مع الأسف لم تتضمن استمارة المسح التتبعي للحالة الدينية أسئلة تتعلق بالمبررات، علما بأنه بحث استطلاعي ويغطي نقاطا كثيرة. بيد أن استقصاءا أوليا قمنا به أظهر وجود مبررين لعدم الحماس يترددان لدى كل من العنصر النسائي والرجالي. الأول هو رفض الخروج على النص الديني المقدّس الذي ضبط قواعد الإرث، بمعنى أن مشروع التسوية في الإرث يصادم بديهيات قسم من التونسيين لا يرون من الموجب أو الجائز الاجتهاد في حكم قرآني صريح. وهذا الرأي قد يردّ عليه المناصرون والمناصرات للتسوية بأنه يحيلنا إلى مقولة “الوعي الخاطئ” العزيزة على الماركسية ممّا يعني أن ثمّة نخبة عالمة بمصلحة الناس ولها الحق في إلزامهم بها.
أمّا المبرّر الثاني الذي يسوقه تونسيون وتونسيات لعدم المطالبة بالمساواة في الإرث والتحفظ إزاء مشروع قائد السبسي فهي أن لتونس أولويات ليست هذه من بينها. ثمّة أوضاع اقتصادية واجتماعية منخرمة وشواغل حارقة خاصة لدى الشباب في مقدمتها إيجاد حلول للحد من البطالة وفتح آفاق العمل لحملة الشهادات. ففي ظل المشاكل الحالية ألا يمثل طرح موضوع الإرث للحل هروبا من كمواجهة مصدر الوجع؟ ماذا يفعل الشباب الذي ليس أمامه شيء ذو بال يتقاسمه من تركة الوالدين وهل المطلوب هو تقاسم العوز أو البؤس بالتساوي؟ هل هذه قضية الشعب أم قضية أقلية مرفهة أو نخبة نسوية مؤدلجة ؟ ولماذا يتجه التمييز الإيجابي والتمكين هذه الوجهة بدل أن يذهب أولا لفائدة المناطق المحرومة منم التنمية حتى ينهض بالأوضاع الرثة للكثير من بناتها وأبنائها. وفي النهاية ألا تكون وراء هذا المشروع وهذه الحملة غايات سياسية بحيث يراد منه تعبئة النساء لخدمة انتخابات 2019 ؟
إن تأويل طرح قائد السبسي لمشروعه بالسعي لاستعادة ثقة وأصوات المليون امرأة اللائي رفعنه إلى سدّة الرئاسة يبدو لنا معقولا. وبنفس المناسبة سيكون ذلك اختبارا وإحراجا للمنافس الرئيسي والصديق المؤقت، أي حركة النهضة. فهذه الأخيرة نجد نفسها منذ مدة موضع ابتزاز بخصوص حقيقة أو درجة مدنيتها. وللتذكير فقد سبق أن رضخت للضغط الأيديولوجي أثناء كتابة الدستور وخاصة إبّان الحملة التي قادها قائد السبسي بالذات على مقولة التكامل بين الرجل والمرأة والتي اعتبرت بصورة اعتباطية نقضا لمبدأ المساواة.
قاعــدة التناصـف : صنم آخــر !
وفي تقديرنا أن المجتمع التونسي في مجمله هو موضوع أو هدف لحملة شاملة مبشرة بأيديولوجية حداثوية كليانية كان من تجلياتها أيضا فرض مبدإ التناصف العمودي والأفقي في القائمات المترشحة للانتخابات المحلية والجهوية. كان من الممكن نظريا اقتراح صيغة انتقالية في إطار التمكين للمرأة وإعطائها حظوظا حقيقية من دون التعسف على الواقع، مثلا بتخصيص ثلث الترشحات للمرأة أو غيرها من الصيغ المرنة والواقعية. إذا أردنا عدم السقوط في النفاق والديماغوجية فينبغي الاعتراف أن أوساط عدّة بالمجتمع التونسي سواء من الفئات الشعبية أو في القرى والأرياف ليست مهيأة ثقافيا وفكريا لهذا التناصف الذي يتم الدفع إليه بكل قوة، والدليل على ذلك إجهاض العديد من مشاريع القائمات للانتخابات البلدية لشهر ماي 2018 وذلك لتعذر إيجاد العدد المطلوب من المترشحات. ثمّة قائمات لم تتجاوز هذا العائق الذي لم يتكلم عنه أحد إلاّ لقاء تنازلات أو مقايضات سياسية لم تكن سهلة. كما أن من المحتمل استغناء بعض القائمات عن العناصر النسائية التي تم اللجوء إليها لمجرد الاستجابة للقاعدة القانونية، على أن تقع الاستقالة لاحقا لفائدة الرجل الذي يأتي في المرتبة الموالية.
هذا المشكل الذي أحيط بالصمت المطبق بسبب الحرج الذي يحدثه وعدم تحمّل سائر الأطراف السياسية مسؤوليتها الأخلاقية إزاء المزايدات النسوية ينبغي مواجهته بشجاعة، خاصة وهو يهدد بالتعمق والتوسع في ظل المطالب النسوية الجديدة التي لا يزعجها أن تمارس التعسف الايديولوجي والثقافي على المجتمع المكوّن في جزء كبير منه من نساء لا يرين هذه الأصوات ممثلة لهن. ففي بلاغ للجمعية التونسية للنساء الديموقراطيات صدر إثر الانتخابات البلدية مباشرة، طالبت بتنقيح القانون الانتخابي من أجل تعميم التناصف الأفقي والعمودي في الانتخابات التشريعية القادمة. كما ذكرت بمطالبها في اعتماد نفس القاعدة في سائر الهياكل سواء كانت منتخبة أو معينة !
مشروع قانون التسوية في الإرث
هروب من مواجهة المعضلات الحقيقية وافتعال أسباب توتر ثقافي وديني

هدف مزدوج : خدمة الأجندة الانتخابية القادمة وتحقيق حلم النخبة النسوية

ما هي دوافع هذا الضغط الجديد بعد أن أصدر المجلس النيابي قانونا انتخابيا يزايد فيه على العالم أجمع، ولم تتجرأ حتى الديموقراطيات الغربية ولا الأنظمة الشيوعية على إحلاله في ديارها ؟ هل هو لمجرد التسويق لصورة تونس الحداثية أو ثورتها الديموقراطية، أي لتلميع الواجهة ؟ أم هو أيضا تحضير لمواجهة من لهم تحفظات سواء على المساواة في الإرث أو على تعميم التناصف، وهي تحفظات ليست دينية بالضرورة، وإنما تتعلق بتقدير ما تسمح به المرحلة وما تمليه من أولويات. ولا بأس أن نضيف أن قاعدة التناصف العمودي والأفقي اشتغلت كعامل تمييز بين الأحزاب الصغيرة والأحزاب الكبرى التي تقدر لوحدها على حشد ما يكفي من الترشحات النسائية في كل دائرة. إنها لمفارقة أن نستنتج كون هذا القانون غير ديموقراطي ولا يخدم إلاّ الأحزاب العملاقة التي اقترحته أو وافقت عليه، إرضاء لمصالح سياسية أو نزوات إيديولوجية.

عبد اللطيف الهرماسي (جريدة الصباح)