ورقات

الثلاثاء,4 ديسمبر, 2018
الإسلاميون والعمل النقابي.. الجذور التاريخية و مقاومة الاختطاف اليساري للشرعية

مـا انفكّ نقابيّون يزعمون، سواء بتصريحات مباشرة أو بممارسات داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، أن العمل النّقابي حكرٌ على اليساريين دون سواهم مدّعين أنّهم هم الأصيلون فيه وأنّ الإسلاميين دخلاء، حتى أنّهم باتوا يعتبرون أن العمل النقابي “أصلا تجاريّا” يخصّهم دون سواهم.

ولعلّ من أبرز هذه المواقف ما يكشفه آخر مؤتمر للاتحاد العام التونسي للشغل (الـ23) المنعقد في جانفي 2017 ، حيث كان الكاتب العام لجامعة المعادن والالكترونيك بالاتحاد العام التونسي للشغل الطاهر البرباري سيترشح لانتخابات المكتب التنفيذي ضمن قائمة نورالدين الطبوبي ولكن “كواليس بطحاء محمد علي تفيد ان الرّجل عليه تحفّظ سياسي كبير” (جريدة المغرب، المؤتمر الـ23 لاتحاد الشغل: مفاوضات الكلّ مع الكلّ لاستكمال قائمتي الطبوبي وعفيّة…’ 17/01/2017) ”، وبالضغط على الطبوبي لم يترشح .

و في حادثة أخرى، وجّه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي، في تصريح لإذاعة شمس اف ام بتاريخ 19/06/2017 ، كلاما مبطّنا لحركة النهضة مصرّحا أنّ هناك “أحزاب لها توجه يميني ودائما تعتبر الاتحاد بدعة وإشكال قائم أمامها”، وأضاف: “هذه الأحزاب ليست حركة النهضة فقط بل الأطراف التي لا تؤمن بالعمل النقابي وترى أنه بدعة”، ليؤكد اعتبار النقابيين عموما أن الإسلاميين لا يؤمنون بالعمل النقابي وجدواه .

ليس الطبوبي وحده في ذلك، فقد سبقه إلى ذلك النقابي السابق الطيب بكوش في 2013، ليردّ عليه محمد المومني في مقدمة كتابه “أسس العمل النقابي.. الإسلاميون والعمل النقابي” بأن ما قاله يعدّ تجنّيا وافتراءً على تاريخ ليس ببعيد كان للإسلاميين فيه دور أساسي في تبلور الحركة النقابية في تونس. كما تطرّق المومني في كتابه إلى جملة من الوقائع التاريخية التي أثبتت أصولية دور الإسلاميين في ظهور العمل النقابي في تونس قبل وبعد تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل.

العمل النقابي في تونس بعد الحرب العالمية 2:

في أربعينيات القرن الماضي ، لعب الزيتونيون دورا هاما على الصعيد الوطني وحازوا حظوة شعبية بارزة، ولعلّ رحلة حركتهم النقابية انطلقت بتأسيس نقابة المشائخ المدرسين بجامع الزيتونة من قبل الشيخ محمد صالح النيفر، الذي قاد إضراب 13 ديسمبر 1943 وليد تجاهلِ مطالب مشائخ الزيتونة في شهر نوفمبر من العام ذاته برفع أجورهم واعتبارهم موظفين كاملي الحقوق واعتبار تعليمهم تعليما رسميا. وقد لقي هذا الإضراب دعما شعبيا واسعا لتجد السلطات نفسها عاجزة أمامهم.

هذا الإضراب مثّل نقطة التحول المفصلية في تاريخ الزيتونيين الذين فرضوا به نفوذهم، وكوّنوا “التيار الزيتوني” “الذي كان له خطابه ومطالبه ورموزه وكان الشيخ محمدا لفاضل بن عاشور الناطق الرسمي باسمه” (د. محمد ضيف الله’ أواخر الزيتونيين: وجوه وأدوار وعلاقات) .

الدور الريادي الذي لعبه التيار الزيتوني خلال تلك الفترة عزّز مكانته وطنيًّا ما جعله من أبرز المؤسسين للاتحاد العام التونسي للشغل. ففي 20 جانفي 1946 انعقد المؤتمر التأسيسي لاتحاد الشغل بالمدرسة الخلدونية التي يديرها الشيخ محمد الفاضل بن عاشور والتي سبق أن احتضنت مؤتمر لجامعة العامة للمتوظفين التونسيين في أفريل 1945 المحتضنة لعدد هام من النقابات الممثلة للزيتونيين.

هذا المؤتمر تألق فيه الشيخان محمد الفاضل بن عاشور ومحمد صالح النيفر من خلال خطابين لهما في الجلسة الافتتاحية حول العمل النقابي ومعنى التعاون واستعداد جمعية الشبان المسلمين التي يرأسها النيفر لرفع مستوى العامل التونسي ومده بما يحتاجه في دينه ودنياه، كما تدخل الشيخ التهامي عمار “مستشهدا بعدة أحاديث في الموضوع النقابي “ وقد قوبل تدخله بالاستحسان من قبل المؤتمرين. (د.محمد ضيف الله، المصدر السابق)

وقد سجّل المؤتمر التأسيسي للاتحاد صعود الزيتونيين إلى الهياكل النقابية التي أفرزها، فأُسندت رئاسة الهيئة المشرفة على انتخاب الهيئة الإدارية للاتحاد إلى الشيخ ابن عاشور الذي تقلّد بعدئذ منصب الرئاسة الشرفية للاتحاد، كما انتُخب التهامي عمار ومحمد الصالح النيفر من بين الزيتونيين، الأمر الذي دفع بابن عاشور إلى القول إنّ الاتحاد كان “روحه وتأسيسه ومبادئه العليا وأغلبية عناصر قيادته المركزيين والمحليين إسلاميا بل زيتونيا”.

وبعد انتهاء أشغال المؤتمر، توجّه المؤتمرون للاحتفال بنجاحه في القاعة الكبرى لجمعية الشبّان المسلمين التي يرأسها الشيخ محمد صالح النيفر .

وأبعد من ذلك، لعب الزيتونيون دورا فاعلا في التسويق والدعاية للاتحاد في صفوف العمّال واستمالتهم للالتحاق به فتم تعيين النيفر ضمن لجنة الدعاية، كما انضمّ عدد هامّ من الزيتونيين إلى الاتحاد العام التونسي للشغل ، وكما جاء في قول مبعوث الجامعة النقابية العالمية إلى تونس مصطفى إدريس إن “العناصر المتديّنة سجلت حضورا كثيفا في الاجتماعات التي حضّرها الاتحاد العام التونسي للشغل في فيفري 1947” .

وقد دعّم ذلك خطاب لابن عاشور في ماي 1946 في أحد اجتماعات اتحاد الشغل ، حيث جاء فيه: “نحن من جامعة بنيت على أصول تشريعية متينة جاء بها الإسلام، فإذا تحققت أمانينا تحقق لنا أن كافة المجتمعين مستعدون للإعلان بأنهم مناصرون للاتحاد العام بمقتضى التعاليم الإسلامية القاضية بهدم الفوارق بين الطبقات. وإن كل واحد باعتباره مسلما يجب أن يعتبر نفسه جنديا في قضية العملة“
ومن خلال خطابه، حثّ بن عاشور العمّال الى الانضمام الى المركزية النقابية الناشئة والنضال ضد الكنفدرالية العامة للشغل (غيرت اسمها فيما بعد إثر تراجع شعبيتها إلى “الاتحاد النقابي لعملة القطر التونسي) التي يسيطر عليها الشيوعيون .

تعارُضُ بن عاشور مع الحركة الشيوعية لا يتوقف عند مسألة القضية العمالية، وانما أيضا رفضا لإحدى أطروحات الشيوعيين في تونس آنذاك والتي تتعلق بالاتحاد الفرنسي، حيث قال “هم يريدون أن نصرح بأننا جزء من أمة أخرى ونحن نموت جوعا ولا تخرج هذه الكلمة من أفواهنا، إننا أحرار في بلادنا نتمتع بحقوق سيادتنا القومية كما نتمتع أبضا بالحقوق الطبيعية والإنسانية التي ضمنتها قوانين العمل”.

وبناء على هذه المظاهر، اتسعت قاعدة الاتحاد العام التونسي للشغل في ظرف وجيز ضامّا عدة نقابات ذات ركيزة زيتونية بالأساس(على غرار نقابات العدول والشعائر الدينية والمدرسين الزيتونيين بمختلف أصنافهم ومؤدبي المدارس القرآنية..) ، في حين تقلّصت قاعدة الكنفيدرالية العامة للشغل.

في الخمسينيات، ظهرت كحركة نقابية ما يعرف بـ”لجنة صوت الطالب الزيتوني” التي رفعت مطلبية إصلاح التعليم الزيتوني وتعصيره وتحسين الظروف المادية لطلبته وفتح الآفاق أمام خريجيه، وقامت بتحركات احتجاجية، ثم صعدت لتعلن إضراب جوع أيام 20-21-22 أفريل 1950. وفي اليوم الأول من إضراب الجوع زار الزعيم النقابي فرحات حشاد الطلبة المضربين وخطب فيهم: “لهو جزء من كفاح الشعب العام في سبيل تحقيق آماله وان الاتحاد العام التونسي للشغل الذي هو منظمة قومية عتيدة تكافح في سبيل العامل التونسي ليسرّه أن يتقدّم بتأييده التام للطلبة الزيتونيين الذين يعملون الآن للوصول إلى غاية تحقيق نجاح التعليم الذي نطالب به جميعا”. (جريدة النهضة، 21 أفريل 1950)

وقد ساند الطلبة الزيتونيون بدورهم الإضراب الذي نفذه الاتحاد العام التونسي للشغل في 30 نوفمبر 1950 ”تقديرا لما يقوم به العملة الفلاحيون من كفاح اجتماعي تقدمي” (الحرية،3 ديسمير 1950).
وتتالت مظاهر النشاط النقابي للزيتونيين في النصف الأول من القرن الماضي، سواء ضمن الاتحاد العام التونسي للشغل (باعتباره يضم نقابات ذات قاعدة زيتونية بالأساس) أو بالتنسيق معه (لجنة صوت الطالب الزيتوني، أو منظمة “كتلة الدفاع عن المطالب الزيتونية” التي ظهرت في مارس 1951).

اليسار وقف ضد تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل:

في المقابل، وقف عدد من اليساريين والقوميين، خلال تلك الحقبة التاريخية، ضدّ تأسيس الاتحاد وازدهار شعبيته متمسكين بالكنفدرالية العامة للشغل وهي فرع عن المنظمة النقابية الفرنسية في نسختها الأولى، ثم بــعد تغير اسمها إلى “الاتحاد النقابي لعملة القطر التونسي” الذي أسّسه وتولّى رئاسته النقابي الشيوعي حسن السعداوي في أكتوبر 1946 الى غاية حله في 02 سبتمبر 1956.
كما برزت مساع لإضعاف الاتحاد العام التونسي للشغل في 1956، حيث ظهرت منظمة “الاتحاد التونسي للشغل” التي انشقّت عن المركزية النقابية، وتأسّست بدفع من الحبيب بورقيبة الذي أزعجه صعود أحمد بن صالح مرة أخرى على رأس الاتحاد العام التونسي للشغل خلال مؤتمره المنعقد في سبتمبر 1956. وكان من أبرز مؤسسيها الحبيب عاشور الذي تولى أمانتها العامة إلى جانب نقابيين من بينهم عبد العزيز بوراوي ومحمد كريّم..

كما تم تأسيس منظمة نقابية موازية للاتحاد العام التونسي للشغل في 1948 تحت اسم “الاتحاد الوطني التونسي للشغل” ضمّ عددا من النقابيين الذين كانوا قد نشطوا في المركزية النقابية.

ولئن غاب الإسلاميون عن المشهد النقابي في السنوات التي تلت ذلك، فقد عادوا في الثمانينات ليجدوا اليسار مسيطرا عليه غير قابلٍ لأيّ طرف آخر للمشاركة فيه، ووجدوا أنفسهم غير مرغوب فيهم .
ففي المؤتمر الاستثنائي الذي عقده الاتحاد العام التونسي للشغل في سوسة في 1989 الذي صعد فيه اسماعيل السحباني على رأسه، ترشّح 3 إسلاميين وهم كتّاب عامون جهويون أحمد العماري ومختار الحاج خليفة وعمر السعيدي، وقد حصدوا عددا من الأصوات بيد أنه سرعان ما وقع التّحالف ضدّهم، كما شنت خلال المؤتمر حملة أدارتها السلطة بالتحالف مع اليسار ضد القيادي النقابي علي بن رمضان بسبب موقفه غير المعادي للنقابيين الإسلاميين، وافرز المؤتمر قيادة زكّاها نظام ابن علي، لتدخل المنظمة أسوأ مراحل أدائها حتى قيام الثورة في 17 ديسمبر 2010. ويشار إلى أنّ المنظمة النقابية لم تقف إلى جانب القيادات النقابية الإسلامية الجهوية والقطاعية التي شملتها حملة الاعتقالات في بداية التسعينات، على خلاف مواقفها المساندة لليساريين الذين حوكموا في تلك الفترة، وسعت المنظمة إلى عودتهم إلى سالف وظائفهم. وظل الاتحاد العام التونسي للشغل منذ التسعينات حتى قيام الثورة فضاء للنشاط اليساري وتعزيز المواقع فيه في غياب الفاعلين الإسلاميين وفي ظل سحق الحياة السياسية وغياب المعارضة الفعلية.
وكانت عودة النقابيين الإسلاميين لاستعادة مواقعهم في مختلف النقابات تدريجيا منذ سنوات سبقت الثورة، منطلقا لحملة معادية داخل المنظمة ضدهم، وصلت حد عدم الاعتراف بصندوق الاقتراع مثلما حصل في النقابة الجهوية للتعليم الثانوي بزغوان.