ورقات

الأربعاء,28 نوفمبر, 2018
الإخوان المسلمون في الصحافة التونسيّة

 

خلال الفترة ما بين عام 1939 وعام 1945، اندلعت الحرب العالمية الثانية، ومنذ تلك المحطّة تسارعت الأحداث السياسية في فلسطين، واتخذت القضية الفلسطينية بعدًا دوليًا بعد أن طلبت بريطانيا من الأمم المتحدة في 2/4/1947 إدراج القضية ضمن جدول أعمالها، ثم تشكلت لجنة تحقيق دولية خاصة بفلسطين ‘انسكوب’ لدراسة الوضع وتقديم تقرير عنه أوصى على إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين و تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين: عربية ويهودية، مع وضع القدس تحت وصاية دولية.

وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 181 في 29 نوفمبر 1947 بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، وقد رفض الفلسطينيون والعرب على حدّ سواء هذا القرار، معتبرينه مخالفًا للأساس الذي قامت عليه الأمم المتحدة وهو حق الشعوب في الحرية وتقرير مصيرها بنفسها، ويفتقد إلى أي سند قانوني.

وفور صدور قرار التقسيم، اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية، وشكّل الفلسطينيون جيش الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني، كما شكلت الجامعة العربية “جيش الإنقاذ” من متطوعي البلاد العربية والإسلامية، وقد شاركت الدول العربية في هذه الحرب بإرسال الجيوش العربية لفلسطين ، وقد شاركت جماعة الإخوان المسلمين بجهود كبيرة لإنقاذ فلسطين، وقاموا بأدوار بطولية، بقيادة المرشد الأول ومؤسس الجماعة حسن البنا.

وقد عاش الشعب التونسي سنتي 1947 و 1948 على وقع أحداث فلسطين لما للقضية الفلسطينية من مكانة في وجدان الشعوب العربية عامة ، والشعب التونسي خاصة، فمنذ توقيع عهد بلفور في 1917 مرورا بالثورة الفلسطينية بين 1936 و1939، وصولا إلى قرار التقسيم، تابع التونسيون باهتمام شديد أطوار ما يحدث في فلسطين ، مستنكرين اعتداءات قوات الكيان الصهيوني على العرب.. ومع تصاعد التحركات في العالم العربين فضلا عن نداءات الهيئة العربيّة العليا والجامعة العربيّة لنصرة فلسطين ، دخلت البلاد التونسية في جوّ من الحماس والحميّة لنصرة فلسطين والقدس لما لهما من دلالة رمزية عند العرب.

الصّحافة التونسية في أواخر أربعينيات القرن الماضي أَوْلَتْ اهتماما كبيرا للقضية الفلسطينية على أساس كونها قضية عربية مركزية، وركّزت في تغطيتها لِمـا يحدث في فلسطين وحولها على الدّور الذي لعبته جمـاعة الإخوان المسلمين باعتبارها مثّلت حجر أساسٍ في المقاومة العربية خلال حرب 1948 ضدّ الكيان الصهيوني.
فـ”قضية فلسطين والقدس هي قلب أوطاننا وفلذة كبد أمتنا وخلاصة رأسمالنا” هكذا قالها المرشد الأوّل ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، ليلخّص مدى أهمّية القضية الفلسطينية بالنسبة إلى الجماعة، ليكون بذلك الاحتلال الصّهيوني للأراضي الفلسطينية عام 1948 إحدى أبرز المحطات التاريخية التي ناضل خلالها الإخوان المسلمون مما أكسبهم مكانة سياسية مهمة ومنحهم حاضنة شعبية واسعة، ليس فقط على النطاق المحلي المصري، بل أيضا على النطاق العربي عامّة بما في ذلك تونس.

صحيفة “الأسبوع” التي واكبت بشكل مستمر أطوار ما يحدث في فلسطين وغطّت التحركات التي يقوم بها العرب نصرة لها، نشرت في أكثر من مناسبة مقالات تدعم الإخوان المسلمين في نضالاتهم ضدّ الاحتلال الصهيوني. وفي عددها الصادر بتاريخ 23 ماي 1948، نشرت الأسبوع صورة لمؤسس الجماعة الحسن البنا وأرفقتها بتعليق يمدحه خُطّ فيه: “فضيلة الشيخ البنا المسلم الصادق والزعيم المخلص الذي يعمل أكثر مما يقول والذي جنّد الكتائب وقوّى الصفوف لحماية فلسطين قبل أن تتحرك الجيوش النظامية وصاول الصهيونيين فكان في طليعة المجاهدين الصّادقين”.
وتجدرالإشارة إلى أنّ هذه الصحيفة مقرّبة من الحزب الدستوري الجديد بزعامة الحبيب بورقيبة، والذي قام على أنقاض الحزب القديم بزعامة الشخصية الإسلامية البارزة عبد العزيز الثعالبي.

وفي عددها الصّادر بتاريخ 6 جوان 1948، نشرت الأسبوع في ركن “خواطر” قصّة قصيرة ذكرت أنها نقلتها عن مجلّة الإخوان المسلمين، كعبرة ونقلتها “لما فيها من فائدة “.

وفي عدد آخر ، صدر بتاريخ 21 فيفري 1949، نشرت الأسبوع صورة أخرى للبنا رفقة عدد من قيادات الإخوان المسلمين، أرفقتها بتعليق ينمّ عن الاعتزاز والفخر: “المرشد العام يتوسّط كوكبة من جنوده الأبرار”.

كما نشرت في أعلى الصفحة الأولى من العدد ذاته من جريدة الأسبوع رسالة بخطّ يد البنا شخصيا وموقّعة بإمضائه الخاص :
“بسم الله الرحمن الرّحيم
أيّها الإخوة الأعزاء؛
على رأس عشرين عاما كاملة نقف لتثمين الماضي راضين، ونطالع المستقبل آملين، ثم نتابع خطوات الجهاد موفّقين، والله معنا فإلى الأمام دائما ، والله أكبر وله الحمد.
ذو القعدة 1367 هـ “.

جريدة “لواء الحرية” أيضا، شأنها شأن عديد الصّحف التونسية انذاك، وهي مقربة بدورها من بورقيبة، لم تكن لها حساسية من جماعة الإخوان المسلمين كما هو الحال خلال السنوات الأخيرة، وقد نشرت في عددها الصّادر بتاريح 9 سبتمبر 1951 مقالا للعضو السابق في مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين والرئيس السابق لقسم نشر الدعوة في الجماعة ورئيس تحرير جريدة الإخوان المسلمين سيد قطب تحت عنوان “الإسلام يكافح”، وأرفقت أعلاه تعريفا له هو الآتي: “الأستاذ سيط قطب علم من أعلام الحرية في الثقافة وعلم من أعلام العروبة في الأدب وعلم من أعلام الإسلام في الدفاع عن الإسلام وتطهيره من أدران المدجلين والمنافقين” .

ونشرت مجلة الفكر في أكتوبر 1966، تحت عنوان “لم أعد أفزع من الموت ولو جاء اللحظة”، رسالة سيد قطب من سجنه إلى شقيقته، وخطّت اعلاها ما يلي: “هذه الخزاطر كما انفردنا بنشرها سنة 1959، في العدد السادس من المجلة وسيد قطب في السجن ورأينا اليوم إعادة نشرها والرجل صريه من أجل مبادئه وعقيدته. وقد كنّا علّلنا نشرها في ذلك الوقت بأنها شهادة إنسان في شؤون الانسان الوجودية وأنها دليل على أن الرجل يتمسك بما يعتقد فيناله العذاب والسجن ولا أروع ولا أسمى من انسان يصدق في القول ويخلص في العمل. فما بالك اليوم والرجل يستشهد من أجل ما يراه الحق ولا يفزع من الموت من فرط إيمانه.
ونحن إذ نعيد نشر هذه الخواطر التي أرسلها إلى أخته في ذلك الوقت نعتقد أنها نفسية الكاتب في أيام المحنة ويمكن اعتبارها وصيته للناس قبل موته”.

مجلة الفكر

وكان الحزب الاشتراكي الدستوري تضامن في ستينيات القرن الماضي، مع الإخوان المسلمين خلال محاكماتهم. وبعد إعدام سيد قطب في 29 أوت 1966، أقام بورقيبة موكباً في أربعينية سيد قطب، كما شنت الصحافة التونسية هجوماً على النظام المصري وعلى عبد الناصر شخصياً بسبب هذه الحادثة.

وفي مذكّراته المنشورة في 1981 ، تحدث المناضل الوطني والدبلوماسي التونسي السابق رشيد ادريس عن نشاط مكتب المغرب العربي بالقاهرة، وسلط الضوء على العلاقة بين قيادات كل من جماغة الإخوان المسلمين و الحزب الحر الدستوري ، ولفت إلى إلى أن مقر جمعية الشبان المسلمين كان فضاء احتضن اجتماعات الحزب الحر الدستوري.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ الصحفي الإخواني المصري أنور الجندي كان مراسلا لجريدة الصباح التونسية التي لم تر حرجا في ذلك، إضافة إلى أنّ صحف الإخوان المسلمين كانت توزع في تونس مثل “الدعوة” و”الإخوان المسلمون”، وكانت ضحية الرقابة الاستعمارية في كثير من المناسبات.

النماذج التي تناولناها تظهر أنّ الواقع التونسي لم يكن خلال النصف الأول من القرن الماضي، يحتكم إلى الصراعات الايديولوجية والفكرية؛ فجلّ الخطابات التي سيطرت على تلك الحقبة التاريخية انبنت على أساس الوحدة العربية بعيدا كلّ البعد عن الحقد الانتمائي الذي يعاني منه المشهد التونسي اليوم الذي وحدته الثورة في 2011 وظلّ يشكو الفرقة الايديولوجية طيلة الثماني سنوات التي عقبتها.