أحداث سياسية رئيسية - ورقات

الثلاثاء,27 مارس, 2018
الإتحاد العام التونسي للشغل: حاكم ومعارض ووسيط في آن واحد

خلال عقود من الفساد والإستبداد تحوّل العمل النقابي تحت مظلة الإتحاد العام التونسي للشغل ملجئا “آمنا” لكثيرين لميعد مسموحا لهم بالتنظم والتظاهر، معطى آخر ينضاف إلى المعطى التاريخي في علاقة بأدوار المنظمة الشغيلة حوّلها إلى واحدة من أكثر الفاعلين تأثيرا في المشهد كما أنهالم تسلم منأن تكونبدورها متأثرة بطبيعة النظام الفاشي لعقود.
 
حرّرت الثورة في البلاد كلّ أشكال التنظم والنضال ومعها المطلبية الإجتماعية على وجه الخصوص فكان الإتحادالعام التونسي للشغل أحد أهمّ المنتفعين من السياق الجديد خاصّة في ظل غياب أحزاب جماهيريّة باستثناء حزبينأو ثلاث، سياق جديد حوّل المنظمة الشغيلة إلى أحد أهم التنظيمات في البلاد التي لها كلمة ودور في المسائل النقابية وغيرها لتجد النقابات نفسها أقرب إلى “حزب جديد” دون تأشيرة حزب سياسي.
 
تزعّم معارضة الترويكا:
 
بعد الإنتخابات التأسيسية الأولى في البلاد بعدالثورة سنة2011 إنحاز الإتحاد العام التونسي للشغل نحو المعارضة ليصطف سياسيا وإيديولوجيا وراء تشكيلات حزبية يسارية بالأساس مشتّتة لم تستطع فرض نفسها بالإقتراع فوظّفت مكانة وقوة ودور الإتحاد للضغط على الترويكا الحاكمة عموما وعلى حركةالنهضة خصوصا، في المجمل إنتقل الإتحاد العام التونسي للشغل من دور سياسي قبل الثورة بالنيابة عن أحزاب المعارضة التي تم منعها من النشاط إلى دور إيديولوجي بالوكالة عن تشكيلات علمانية/يسارية فشلت إنتخابية بعد إنتخابات 23 أكتوبر 2011.
 
بعد إنتخابات 23 أكتوبر 2011 كان التوازن في المشهد السياسي التونسي منخرما لا فقط لعدم إدراك تشكيلات حزبية كثيرة لطبيعة المرحلة التأسيسية التي تستوجب شراكة فاعلة في البناء ولكن لغياب طرف قوي ومهيكل في المعارضة السياسية فتم اللجوء إلى الفاعل الإجتماعي الأبرز وتحويله إلى فاعل سياسي في حركة أنتجت آلاف الإضرابات ناهيك عن الإضرابات العامة التي لم تشهد تونس لها مثيلا منذ نشأة المنظمة النقابية نفسها.
 
الإنتماءات السياسية والإيديولوجية للكثير من القيادات النقابية وخاصة قدرتها على تمويه مواقفها تحت مظلات المطالب النقابية والإجتماعية حوّل الإتحاد العام التونسي للشغل إلى حزب يساري معارض للترويكا وللإسلاميين عموما في الوقت الذي كانت فيه الحكومة المستهدفة نفسها تفتح أبواب الحوار مع المنظمة لإيجاد الحلول المناسبة لعدد من القضايا العالقة.
 
تزعّم الحوار الوطني:
 
بعد نحو سنتين من تزعمه معارضة حكومة التروكيا وبعد ظهور جبهة سياسية معارضة يمكن أن تعيد التوازن للمشهد السياسي رغم طبيعة وسائلها الإقصائية إنتقل الإتحاد العام التونسي للشغل ليتزعّم مبادرة الحوار الوطني التي شاركهفي رعايتها كل من الهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان مرفوقين الإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليديّة.
 
نجح لقاء باريس بين زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وزعيم نداء تونس الباجي قائد السبسي في الدفع نحو التوافق بديلا عن التنافي وعاد الطرفان ليضمنا مشاركة أوسع في الحوار الوطني وإنتهى النقاش إلى إقرار الدستور الجديد للبلاد وإلى مغادرة حكومة الترويكا مقابل تسليم إدارة الشأن العام لحكومة تكنوقراط لفترة وجيزة.
 
يحسب الفضل الأكبر في نجاح الوطني التونسي لكل متن راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة ولرئيس الجمهورية الحالي ومؤسس نداء تونس حينها الباجي قائد السبسي غير أن المنظمات الراعية للحوار الوطني وعلى رأسها الإتحاد العام التونسي للشغل هي التي نالت جائزة نوبل للسلام في حادثة هي الأولى في تاريخ البلاد، حادثة حوّلت الإتحاد إلى شريك في بلورة وصياغة السياسات العامة وشريكا في الكثير من الإتفاقيات الخارجية تماما بنفس مرتبة الأحزاب الكبرى الحاكمة رغم الخطابات المعارضة الصادرة عن بعض القيادات النقابية.
 
الإتحاد “الحاكم” و”المعارض” في آن واحد:
 
بعد توسع نفوذه في السنوات الأخيرة وأدواره داخل الساحة التونسية وحتى خارجها أصبح الإتحاد العام التونسي للشغل شريكا في الحكم من ذلك أن كلّ الحكومات تقريبا قد تضمّنت ضمن تركيبة فريقها ممثلا على الأقل عن المنظمة أوأحد أبناءها على غرار وزير الشؤون الإجتماعية الحالي في حكومة يوسف الشاهد وقبله أسماء أخرى كثيرة.
 
الإتحاد العام التونسي كان أيضا شريكا في صياغة وثيقة قرطاج والإمضاء عليها ضمن كوكبة من الأحزاب مرفوقين باتحاد الأعراف، تموقع يؤهل المركزية النقابية لتكون شريكة في وضع الخطوط العريضة لسياسات الحكومة التي لم تتوقف بدورها عن تشريك الإتحاد وإستشارته ضمن كل خطواتها في إتجاهات كثيرة.
 
توسّع نفوذ الإتحاد العام التونسي للشغل ضمن منطومة الحكم رافقه أيضا كثيرا من الأدوار ضمن المعارضة نفسها فالإتحاد تبنى وشارك في العديد من التحرّكات والتظاهرات ضدّ سياسات حكوميّة ومشاريع قوانين على غرار قانون المصالحة وقانون المالية غيرها ناهيك عن وقوفها وراء إقالة عدد من الوزراء بسبب توتر علاقتهم بالمنظمة الشغلية.
 
إذا كان مطلب الإتحاد سابقا إقالة وزراء معيّنين من مناصبهم بسبب إشكاليات مع النقابات أو لأسباب أخرى فإنّه قد وصل حدّ المطالبة بإقالة رئيس الحكومة والإقدام على تحوير وزاري ولم يكن ما صدر في هذا السياق مؤخرا خلال شهر مارس 2018 هو الأوّل من نوعه.
 
كيف تغوّل الإتحاد العام التونسي للشغل على الدولة؟
 
على أعمدة صحيفة الإيكونوميست البريطانية تقرير مطوّل صدر قبل أسابيع يأتي على كل مقوّمات تغوّل المنظمة الشغلية في تونس على الدولة وتحولها إلى قوّة جذب إلى الخلف تساهم بشكل أساسي في تعطيل التجربة الديمقراطية الناشئة، تقرير أعاد إلى الأذهان سؤالا مطروحا بقوّة وهو من أين يستمد الإتحاد كل هذه القوّة؟
 
خلال الثلاث سنوات الأولى بعد الثورة التونسية دفعتأطياف المعارضة المشتّتة لتغوّل الإتحاد العام التونسي للشغل على حكومة الترويكا باعتبار غياب تنظيم قوي يستطيع الصمود حينها أو تجميع الشتات المتناثر خاصة بعد النتائج الإنتخابية في23 أكتوبر 2011،تغوّل تحوّل بسرعة إلى تغوّل على الدولة ومنظومة الحكم نفسها فيما تلى ذلك.
 
في غياب الحلول القمعيّة والأمنية للمطلبية والإحتجاجات كانت الدولة في تونس في حاجة لوسيط يمكنها من إيجاد أرضيات مشتركة وقنوات تواصل مع المحتجين خاصة في ظل المطلبية المشطة وهو دور قام به الإتحاد العام التونسي للشغل بشكل حوّله إلى ضرورة حيوية للدولة ولمنظومة الحكم التي باتت عاجزة دون ذلك عن إيجاد حلول جذرية والقيام بإصلاحات كبرى منتظرة أومعطّلة.
 
دور “الوسيط” الذي لعبه الإتحاد العام التونسي للشغل أخرجه من دائرة الهواجس النقابية إلى هواجس أخرى لايحق للمنظمة الشغلية قانونية التدخل فيها من ذلك أن الإتحاد بات المظلة للحركات الإحتجاجية وهو الذي ينص نظامه على أن لا يدافع على غير منظوريه والأمثلة عديدة حتّى بات قادرا على توظيف التناقضات بين الطرفين في عملية الوساطة.