سياسة

الإثنين,19 مارس, 2018
الأحزاب في تونس: ليست للسياسة فقط

بعد عقود على موتها بفعل الدكتاتورية ونظام حكم الفرد الواحد والحزب الواح، أضحت السياسة في تونس ومعها الشأن العام بصفة عامّة تسترعي إهتمامات كثيرين بين معنيين بالسياسة ومعنيين بأشياء أخرى تتحقّق من خلال مصعد السياسة فكان أن تحوّل المشهد من الحزب الواحد وديكوره الديمقراطي إلى ما يزيد عن مائتي حزب في البلاد من مشارب وخلفيات مختلفة أمّا فعليا وعمليا فليس يوجد بشكل فاعل سوى قلّة من الأحزاب التي تستطيع التواجد إعلاميا وإنتخابيا وبالتالي سياسيّا أمّا الأغلبية الساحقة فتكتفي بالمشاركة كضيف في المناسبات الرسمية.
 
أحزاب الرائد الرسمي:
 
بكبسة زر على محرّكات البحث على الشبكة العنكبوتيّة يظهر أن محرّك البحث العالمي العملاق “غوغل” يجهل بدوره كأغلب التونسيين كثيرا من الأحزاب التونسيّة المتحصّلة على تأشيراتها وفقا لقانون الأحزاب في البلاد، أمر ليس مستغربا مطلقا إذا كان المكان الوحيد الذي تم فيه الإعلان عن نشأة هذه الأحزاب هوالرائد الرسمي للجمهورية التونسية ولم تقم منذ ذلك الحين بأي نشاط ولاحتى صدر عنها موقف من كثير من القضايا الكثيرة المطروحة في البلاد.
 
أسئلة كثيرة تطرح في الواقع حول خلفيات وأسباب بعث وتأسيس الأحزاب الغير موجودة في غير الرائد الرسمي للبلاد وعلى رأسها من هم المؤسّسون وماهي سيرهم الذاتية، الإجابة إختزلها ذات يوم أحد هؤلاء باعتباره أن الغاية كانت وضع الصفة السياسية على “بطاقة الزيارة” الخاصّة به والمشاركة في المناسبات والأعياد الوطنية وحتى في بعض حفلات الإستقبال التي تنظمها البعثات الديبلوماسية الأجنبية.
 
أحزاب الإعلام:
 
تكشف الإحصائيات التي تقدّمها “الهايكا” في تونس وجود إختلال واضح بين نسب الحضور الإعلامي لكثير من الأحزاب وأحجامها الإنتخابية وتموقعها أيضا في المشهد السياسي بين السلطة والمعارضة، الصورة أدقّ في توصيفها قولا بأنّ كثيرا من الأحزاب التي تأسست على مشاريع الضدّ أوعلى بعض النصوص القديمة وكذلك إستناداعلى مواقف لاتمثّل هواجس رئيسية للمجتمع تعتمد أساسا على الإعلام لفرض تواجدها.
 
الإستقطاب الثنائي بين إسلاميين وعلمانيين وبين يمين ويسار وحتّى بين قديم وجديد مثلت عنوانين رئيسية ومداخل في نفس الوقت لصناعة بعض الأحزاب في تونس لرصيدها الرمزي الذي تتواجد بناء عليه وهي في المجمل أحزاب تعرّف نفسها من خلال علاقتها بضديدها لا فقط لعدم إكتسابها برامج ومشاريع وإجابات واضحة على هواجس التونسيين بل ولعدم قدرتها على أنتكون أحزابا جماهيرية بالأساس بالنظر لطبيعتها منذ التأسيس.
 
أحزاب مثل آفاق تونس والمشروع وأخيرا البديل وتيار المستقبل وغيرها من الأحزاب السياسية بالإضافة إلى تحالف الجبهة الشعبية اليساري تستحوذ على النسبة الأكبر من الحضور الإعلامي والأقل من الحضور الإنتخابي فتستغل الحضور الأوّل في شيطنة خصومها أو في خلق أزمات وجبهات هامشيّة لا تزيد سوى من تعميق الإحتقان في المشهد وبثّ جالة الخوف التي تخلق أساسا هروبا التونسيين من الشأن العام.
 
لضعف حضورها على الأرض الذي تعكسه بشكل واضح النتائج الإنتخابية وحتى نسبة الدوائر البلدية التي تمكنت من التواجد فيها مؤخرا تعتمد أحزاب سياسية على الظهور الإعلامي لتيئيس التونسيين ولتشويه السياسة والسياسيين وترذيل عملية الإصلاح في البلاد حتّى تخلق نوعا من اللامبلات لدى الناخبين وهي أساسا “خطّتها” الواضحة للقضم من قواعد وجمهور خصومها الإنتخابي.
 
أحزاب “الأخطبوط”:
 
لم يعد خفيا وفقا لتقارير إعلامية تونسية وعربية ودولية متطابقة أن أخبوطا كبيرا يحاول خنق الثورات العربية مستهدفا الديمقراطية في الوطن العربي خلال السنوات الأخيرة وهو الأخطبوط الذي ما فتئ يحاول بكلّ السبل والوسائل الإنتقلاب على الصناديق بالسلاح والدبابات وحتى بالحروب الأهلية في أكثر من زاوية أينما مرّت نسمات الحرية.
 
في تونس كما في بقية الدول العربية التي شهدت ثورات ضدّ الدكتاتورية تأكّد بوضوح العلاقات المشبوهة لكثير من قيادات الأحزاب السياسية بأخطبوط محمد دحلان الذي تموله وتسيره الإمارات كما بلوبيات أخرى إقليمية ودولية تتربص بالديمقراطية الناشئة التي أعادت المجال العربي إلى التاريخ بفضل ثورات الشعوب المضطهدة، كثيرةه ي التقارير التي تحدّثت في هذا الخصوص عن علاقات مشبوهة لكثيرمن القوجوه السياسية التونسية وعن لقاءاتها السرية بمحمد دحلان.
 
أحزاب للحكم وأخرى …:
 
تكشف ردهات وتقلبات السنوات الأخيرة التي تلت ثورة الشعب التونس أن عدد الأحزاب التي يمكن أن تكون أجزاب حكم في البلاد قليل جدّا وتكشف نفس المعطيات أن عددا منها مازال بعيدا عن تحمل مسؤولية الحكم بعد مشاركته في إدارة الشأن بطريقة تعكس وعيا سياسيا مرضيّا والأمثلة على ذلك كثيرة من خلال السلوك السياسي لأحزاب مثل الوطني الحر أو آفاق تونس عند مشاركتها للنهضة والنداء في الحكم بعد إنتخابات 2014.
 
عندما يعلن حزب رفضه المشاركة في حكومة إئتلافيّة في المرحلة التأسيسية فإنّ ذلك يعني ضمنيا وقوفه إمّا ضدّ الإرادة الشعبية التي أفرزت أحزابا أكثر شعبية منه لا يريد مشاركتها السلطة أو أنّه مازال لم يغادر بعد ثقافة الحزب الواحد أوربّما لم يدرك بعد طبيعة وحساسية المرحلة التأسيسية والمسؤولية التاريخية الملقات على عاتق النخبة السياسية.
 
في المجمل كان حزب حركة النهضة الأكثر قدرةعلى إظهار كونه حزب حكم لافقط من خلال قدرته على التعامل المرن مع المتقلبات والمعطيات وحتى الأزمات ولكن أيضا من خلال التطور السريع الذي شهده في السنوات الأخيرة وقدرته على الحفاظ على قيادته وجسمه الإنتخابي متماسكة أكثر من كلّ بقيّة الأحزاب في إنتظار أن تثبت الإستحقاقات الإنتخابية القادمة قدرة أي حزب آخر خاصة نداء تونس على إثبات كونه حزبا للحكم.
 
من مرسوم إلى قانون منظم للأحزاب:
 
سنة 2017 قامت وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان بمراسلةجميع الأحزاب مرتين لتقديم تقاريرها المالية وأكّد الوزير مهدي بنغربية مطلع سنة 2018، أن حوالي 30 حزبا سياسيا من بين 210 أحزاب قدموا تقاريرهم المالية مشيرا إلى أن التقارير غير مكتملة.
 
وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان طرحت أيضا مشروع تحويل المرسوم المتعلق بتأسيس الأحزابإلى قانون منظم لعمل الأحزاب في البلاد في محاولة لمراقبة التمويلات والتصدّي للمال السياسي وخاصّة في محاولة لتطبيق القانون في علاقة باحترام الإجراءات وتقديم التقاريرلدائرة المحاسبات.