بالمناسبة

الأحد,3 نوفمبر, 2019
استحضار الأرواح في مقرات الأحزاب

استقبلت حركة الشعب بمقرها المركزي بتونس العاصمة يوم 31 أكتوبر الماضي، وفدا عن حركة النهضة في إطار المشاورات حول تشكيل الحكومة. وكان هذا اللقاء فرصة لحركة الشعب لتسجيل عدة نقاط كانت ترغب في أن تفاخر بها أمام أنصارها، وحتى أمام أنصار الحركة الإسلامية.

وحسب مخرجات هذا اللقاء وما تلاه من تصريحات وتعليقات، بدا واضحا أنّ هذا الحزب القومي الناصري، كان عازما على تحقيق انتصار شكلي على ضيوفه، وإن اقتضى تحقيق الهدف اللجوء إلى الشعوذة.

وقد دوّن القيادي بحركة الشعب خالد الكريشي واصفا طقوس المكان الذي أعدّوه، قصدا، لاستقبال زائريهم، قائلا: “مباشرة من المقر المركزي لحركة الشعب؛ 26 نهج جمال عبد الناصر تونس قبل استقبال وفد حركة النهضة للتفاوض حول تشكيل الحكومة المقبلة.. بين أضواء الأمل والعمل من أجل الوطن والشعب وبين صورة الزعيم خالد الذكر التي أهداها لي الأخ الشهيد الحسيني أبو ضيف رحمه الله ذات شهر جويلية سنة 2007 بالقاهرة.. ثابتون على المبادئ عازمون على الانتصار”.

ولو كان شكل الجلسة عفويا لما نبّه إليه الكريشي الذي حملت عباراته شعوره بالسعادة والانتشاء، وكشفت حجم تعلّقه بالحاكم العسكري لمصر سابقا، فعمد إلى ذكر اسم الشارع ثم تحدث في جملة طويلة، عن الصورة، راهبا من ذكر اسم الشخص فقال “الزعيم خالد الذكر”، وعن مسيرة وصولها من القاهرة إلى تونس العاصمة والأيدي التي تداولتها وقدسية المكان الذي جاءت منه “القاهرة”.

وخلال الجلسة بدا سالم الأبيض مشدوها إلى الصورة والمصابيح المحيطة بها، وربّما كان ينقل بصره بين قادة النهضة والمشهد الذي يعلوهم، غير عابئ بمحتوى اللقاء، فالأمر محسوم، “حكومة الرئيس”، وأنتم لا تحكمون، وفاء لـ”خالد الذكر”. ويغيب في لحظة الانتشاء تلك عن حضرة الأستاذ الجامعي والذين معه ممّن أعدّوا طقوس اللقاء، أنّ راشد الغنوشي كان ناصريا مقيما بالقاهرة، قبلهم بعقدين من الزمان.

لقد أدخلت حركة الشعب، وهي تتمترس إيديولوجيا وحزبيا بالخطيئة التاريخية في الصراع الناصري الإخواني، تقليدا جديدا في العمل السياسي في تونس، وهو “التفاوض والمناجاة” مناجاة روح القائد والخشية من غضبها.

كما فضح خالد الكريشي ما وقع تعمّده من خرق آداب الضيافة بإعداد فخ الصورة.

ورغم أنّ الأحزاب “الدستورية” الشبيهة في تعلقها بالفرد بالأحزاب القومية، إلاّ أنّها لم تصل هذا المستوى “الروحاني” القومي في استحضار بورقيبة في التفاوض مع المخالفين. ومع ذلك يبقى بورقيبة جزءا من التاريخ التونسي لا يمكن احتكاره.

أمّا الأحزاب اليسارية المتطرفة فإنّها تخلّصت من عبء رموز الاتحاد السوفياتي وألبانيا وبوليفيا والصين، ووجدت في شهدائها أداة للتفاوض.

وفي ظلّ تصدّي بعض الأطراف السياسية ومنها حركة الشعب، لدعوة حركة النهضة إلى “التوْنسة”، يتضح أنّ الغرض هو حجب حقيقة الذات. وفي الوقت الذي تطلق حركة النهضة اسماء على قاعات بمقرّها مثل عبد العزيز الثعالبي والطاهر ابن عاشور، دون حسن البنا وآية الله الخميني، يباهي النائب عن حركة الشعب خالد الكريشي بالركن المقدس في مقر حزبه مفاخرا بحاكم عسكري أجنبيّ مستبد تجاوز أذاه الذي لحق شعبه حجم ما كشفته ملفات الهيئة عضو هيئة الحقيقة والكرامة التي كان عضوا بها، عن تاريخ الدكتاتورية في تونس.

لطفي الحيدوري