سياسة

الثلاثاء,19 فبراير, 2019
احترفوا التظلّم السياسي ودور الضحية: “الأوصياء” على إرادة الشعب تعاقبهم صناديق الاقتراع

منحتْ الثّورة التونسية الفرصة لكلّ الأطراف السياسية للمشاركة في الحياة العامّة وتقديم برامجها وتصوراتها. وعلى قاعدة الشفافية المطلقة والحريّة أدلى الشعب بدلوه في انتخابات نزيهة وشفافة دون أن يقع إجباره على اختيار طرف دون آخر، حيث تتمتع كل الأحزاب تتمتع بنفس الامتيازات وبنفس حظوظ للفوز، وتبقى الكلمة الأخيرة للشعب وحده، لكن رغم ذلك احترفت بعضُ الأحزاب سياسة التظلّم ولعب دور الضحية لتبرير نتائجها المخيبّة للآمال.

ومن الممكن أن نتفهم مدى الظّلم الذي تعرضت له بعض الأطراف السياسية التي منعت من ممارسة النشاط السياسي وحرمت منه في عهدي بورقيبة وبن علي، وبالتالي من الممكن أن نتفهم أسباب عدم تواجدها في المشهد السياسي وهو ما جلب لها تعاطف الكثيرين في وقت ما. لكن هذه الأطراف الّتي منحتها الثورة حرية النشاط والمشاركة في صنع القرار، لا يمكن أن تقنعنا اليوم بأعذار الأمس لتبرير فشلها السياسي وعدم اختيار الشعب لها. وبدلا من قيامها بمراجعات ذاتية تقف من ورائها على نقاط الفشل تصرّ هذه الأطراف على أن تكون وصيّة على إرادة الشعب تقنعه بانتخاب فلان وعدم انتخاب علان، لتمارس دون وعي منها “الإقصاء السياسي” الذي كان يُمارس عليها في الأنظمة البائدة والتي كانت “تتظلّمُ” منه.

وفي هذا سياق التوصية الحزبيّة، قال أمين عام حزب التيار الديمقراطي، غازي الشواشي، “إن الوضع السياسي في تونس مترد جدا ويا خيبة المسعى لو انتخب التونسيون نفس الأحزاب التي فشلت في إدارة الشأن العام وفي إخراج البلاد من الازمة التي آلت إليها على مختلف المستويات”، محذرا من أن ” اختيار نفس الأشخاص سيؤدي إلى ارتفاع درجة الاحتقان الاجتماعي وحتى إلى الإفلاس”، على حد تعبيره.

ويطرحُ تصريح غازي الشواشي تساؤلا حول مدى إيمان بعض السياسيين بالديمقراطية التي يحملونها اسمًا لأحزابهم، وبالإرادة الشعبية التي قد تعاقب اي فاشل على أدائه، فالتيّار يعلم كما تعلم بقية الأحزاب أن الشعب لا يحتاج لوصيّ يُقدّر له ويُقيّم له ويقنعه بهذا وذاك بقدر ما يحتاج إلى برامج قريبة منه تلامس مشاغله واحتياجاته اليومية، بيد أنّ هذه البرامج باتت غائبة عن وعي الأحزاب التي انشغلت في معارك كسر عظام لا ترتقي وآمال التونسيين، فالشعب لا يحتاج لسماع خطاب توجيهي وعظي بقدر ما يحتاج إلى رؤية وتنظيم حزبي ينافس الأحزاب الكبرى ويساهم في رسم الخطوط العريضة للتوازن السياسي المطلوب.

ويرى مراقبون أن بعض الأحزاب وخاصّة جزء منها في المعارضة تُعاني من أزمة ثقة بعد صدمة الاخفاقات العميقة التي مُنيت بها في الاستحقاقات السابقة ما يجعلها تعتصم بوهم امتلاكها الحقيقة المطلقة، منتشية بخطاب التظلّم، فيما يرى اخرون أن عدم نضج المعارضة سياسيا وعدم استيعابها لطبيعة المرحلة هو ما ساهم في تأزم الوضع التونسي، حيث باتت تحركاتها مجرد تشنجات ومهاترات لا تستوفي شروط المنافسة النزيهة بقدر ما تستوفي شروط تكوين مشهد سياسي هزيل ومتوتر يُعبّر عن محدوديّة النخبة في تونس.