إقتصاد

السبت,1 أكتوبر, 2016
اتفاقية التبادل الاقتصادي الحر التونسية الأوروبية .. تخوفات قائمة رغم التطمينات

انطلقت تونس في الآونة الأخيرة في مفاوضات رسمية حول اتفاقية التبادل الحر بين تونس والاتحاد الأوروبي، وأثارت هذه الاتفاقية جدلا كبيرا في الوسط التونسي بين ما يؤكده الاتحاد الأوروبي من نتائج ايجابية لهذه الخطوة في إطار دعم الديمقراطية الناشئة وتطوير الاقتصاد التونسي وبين ما يحذر منه خبراء تونسيين من مخاطر واصفين إياها بالخطوة إلى الوراء والتي من شأنها أن تزيد من ارتهان تونس للدول الخارجية خاصة وأنها تنبئ بعدم تكافئ الفرص بين الجانبين.

وتهدف اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق ALECA بين تونس والاتحاد الأوروبي حسب وثيقة وزعتها بعثة المفوضية الأوروبية في تونس إلى “الحد من الحواجز الجمركية، وتبسيط وتسهيل الإجراءات الجمركية عبر تحرير تجارة الخدمات بضمان حماية الاستثمار وتقريب القوانين الاقتصادية في مجالات تجارية واقتصادية عدة”، كما تهدف إلى “وضع أسس فضاء اقتصادي جديد مشترك بين الاتحاد الأوروبي وتونس وضمان اندماج تدريجي أكبر للاقتصاد التونسي في السوق الأوروبية الواحدة ووجود إطار قانوني (اقتصادي) قريب جدًا أو مماثل لإطار الاتحاد الأوروبي”.

استئناف المفاوضات ورسالة طمأنة من الجانبين

بعد تعطلها لأكثر من أربعة أشهر، اسئتنفت المفاوضات حول هذه الاتفاقية الثلاثاء 20 سبتمبر 2016 بقصر باردو، وعقدت اللجنة المشتركة اجتماعها في طوره الثاني بحضور الجانب التونسي ممثل في رئيس مجلس النواب محمد الناصر ورئيس اللجنة من الجانب التونسي محمد الفاضل بن عمران، ورئيسها من الجانب الأوروبي Pier Antonio Panzeri.

وحسب ما صرح به محمد الناصر، فإن الاجتماع الثاني ترجم التعاون بين الجانبين ومزيد توثيق العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي في مختلف المستويات، خاصة بعد موافقة البرلمان الأوروبي على تحويل ديون تونس إلى استثمارات ومشاريع تنموية سيما بالجهات.

ورغم ما تحدث عنه الناصر من احداث نقلة نوعية في الاقتصاد التونسي، فإنه نبه إلى ضرورة إيجاد التوازن بين حاجيات الاستثمار ومراعاة خصوصيات بعض القطاعات كالفلاحة والخدمات في تونس، كما لفت انتباه الاتحاد إلى أن حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد وما يتطلبه ذلك من الدعم الاستثنائي.

من جانبه قال رئيس اللجنة من الجانب الأوروبي انطونيو بانزيري أنها ستدعم التعاون الثنائي مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية بعض القطاعات في تونس، وهي تعتبر رسالة طمأنة للجانب التونسي.

مراعاة خصوصية بعض القطاعات قد تكون رسالة طمأنة عن الانتقادات التي أثارها خبراء تونسيين فيما يتعلق بعدم تكافي الفرص بين الجانبين لصالح أكثر امتيازات للاتحاد الأوروبي، غير أن التخوفات مازالت قائمة.

26 منظمة تونسية وفرنسية وأورومتوسطية تحذر من الاتفاقية

كانت منظمات من المجتمع المدني الاورومتوسطية، التونسية والفرنسية قد انتقدت بشدة فحوى الاتفاقية وأصدرت بيانا مباشرة بعد تصويت اللجنة البرلمانية للتجارة الدولية INTA بالبرلمان الأوروبي لبدئ المفاوضات حول اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق ALECA بين تونس والاتحاد الأوروبي والذي انطلق في جلسته الاولى في 15 فيفري 2016.

واستنكرت هذه المنظمات غياب رؤية للتنمية الاجتماعية في الاتفاقية وعدم الأخذ بعين الاعتبار خصوصية البلاد.

وبينت أنه ورغم تتالي اعلانات الاعانة والدعم من طرف الاتحاد الأوروبي لـ “شريكه المفضل” بعد نجاحه في الانتقال الديموقراطي فإن هذه الاتفاقية التي في طور التفاوض لم تتضمن تغيرا في الاستراتيجية بشكل يسمح لتونس بمواجهة تحديات التنمية ومطالب التشغيل والعدالة الاجتماعية، وهي المطالب الأساسية للشعب خلال ثورة 2010 – 2011 بل اكتفت بتحويل المعايير الأوروبية نحو تونس.

وحذرت من التباين بين المصالح التي ستنتفع بها تونس من جهة ودول الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى بعد تطبيق الاتفاقية، موضحة أن المنافسة بين الشركات التونسية والأوروبية غير كفأة حيث ستنتفع هذه الاخيرة من منح في المجال الفلاحي على سبيل المثال، وأكدت أن الخطر المحدق بالمجتمع التونسي ليس متأتيا من فتح الأسواق التونسية للاستثمارات الخارجية بل متأتيا من أن هؤلاء المستثمرين غير مجبورين على انتداب عمال محليين أو دعم الصناعات الوطنية أو تحويل التكنولوجيا، وهو ما من شأنه أن يخلق نتائج كارثية على مستوى التشغيل والتنمية.

ووفق ذات البيان، فإن هذه الاتفاقية ستمكن الاوروبيون من الدخول بحرية الى تونس في مقابل اشتراط دخول التونسيين الى أوروبا بحصولهم على تأشيرة ترفض كل من البلدان الـ 28 للاتحاد الاوروبي منحها إلا بصعوبة وفقط “للنخبة” الاقتصادية، العلمية أو الثقافية وهذا سيحد من امكانية التصدير التونسي نحو اوروبا ويحبط مبادرات المستثمرين -وخاصة الشباب منهم- نحو الأسواق الاوروبية. في حين ان العكس ليس صحيحا.

كما نبهت منظمات المجتمع المدني إلى أن المفاوضات ستقلص حرية الدولة التونسية في التصرف في القطاعات الحساسة والتي يرتكز عليها اقتصاد البلاد خصوصا الفلاحة والطاقة والنقل والصحة والتي ستحد من قدرة الدولة التعديلية على حساب ما يسمى بالمنافسة الحرة.

وللإشارة فإن 18 منظمة تونسية لها دور كبير في إدارة الشأن الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي في البلاد أمضت عن هذا البيان من بينها الاتحاد العام التونسي للشغل، المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، جمعية النساء التونسيات للبحث والتنمية، جمعية اقتصاد اجتماعي وتضامني، مركز تونس للهجرة واللجوء. وسبعة منظمات فرنسية وهي: AITEC، ATTAC، فيدرالية حرفيي العالم، فيدرالية التونسيين للمواطنة بين الضفتين، أصدقاء الأرض، اللجنة من اجل احترام الحريات وحقوق الانسان في تونس، يوتوبيا فرنسا، هذا بالإضافة إلى الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الانسان.

ورغم أن الاتحاد الأوروبي تربطه وتونس اتفاقية شراكة منذ سنة 1995، اي أن تونس كانت أول بلد جنوب البحر المتوسط يوقع مثل هذه الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي بموجبها أقر تبادل حر شمل فقط المنتجات المصنعة، فإن فتح التبادل نحو المنتجات الفلاحية والخدمات مازال يثير تخوفات خاصة وأن الشركات التونسيبة غير قادرة على المنافسة على جميع المقاييس، وقد نبه بعض الخبراء إلى امكانية افلاس 40 في المائة منها.