كتّاب

الأحد,3 ديسمبر, 2017
إخوان مصر وإسلاميو تركيا

لماذا نجح إسلاميو تركيا وفشل غيرهم في النهضة ببلادهم؟

الحركة الإسلامية بالبلاد التركية كانت مرنة ومتأقلمة مع الأنظمة العسكرية الصارمة، ولم تواجه الانقلابات بعنف، حتى كبرت مؤخرا. بل كان إسلاميو تركيا هم من يبادرون بنزع فتيل أي عنف بينهم وبين الجيش أو القوى العلمانية الأخرى، وارتضوا أن يكونوا خارج المشهد بصورة مؤقتة لحين انتهاز الفرصة عبر الصناديق للعودة للحكم. وأثناء ذلك، اهتموا بتمتين العلاقة بينهم والشعب التركي المتدين بطبعه، فاتجه التيار الإسلامي التركي لذاته الحضارية، وأعاد صياغة تراثه المجيد، ساعده في ذلك ما بناه المصلحون؛ من المدارس والمعاهد الدينية، وتبنيهم لمسار الديمقراطية وسيلة لتداول الحكم.

كما أن الدين كان للأحزاب الدينية التركية مجرد خلفية ثقافية ومرجعية حضارية تنفتح على مبادئ الشورى والديمقراطية. فالتدين التركي حالة عامة ومقبولة، حتى في الممارسة الشخصية للعلمانيين. ويحرص الجميع – علمانيين وإسلاميين – على ألا يتم الانزلاق إلى الحالة المتوترة التي يشهدها الشرق الأوسط.

ورغم أن النخب العلمانية في تركيا لم تتوان يوما عن استعداء الإسلاميين، وكانت تعتبرهم – ولا تزال –  كيانا مهددا لسلطتهم، فإن الساسة العلمانيين لا يمكن أن يعلنوا عداءهم لما هو إسلامي؛ احتراما لطبيعة الشعب وتركيبته. كما أن الإسلاميين الأتراك ركزوا على سيطرة الوجدان الشعبي وقوته الناعمة، بعيدا عن مواجهة السلطات. وهو ما يؤكده المفكر التركي جلال ورغي، في كتابه الصادر عام 2010، “الحركة الإسلامية التركية.. معالم التجربة”. وبرأي ورغي؛ أن هناك الكثير في التجربة التركية الذي يصلح لاستلهامه والنسج عليه، ابتداء من اعتدال الحركات الإسلامية وتركيزها على الهم الديمقراطي، وانتهاء بالوصول إلى صيغة تعاون بين الأطياف العلمانية والإسلامية.

وفي الحالة المصرية – مثلا – دعوت، في كتابي مصر القادمة عن مطبعة الغد في 2012، ولا زلت أدعو، لترتيب الأولويات؛ بحيث يتم تغليب الثقافي على السياسي والمعرفي على الفكري. إذ لم تكن السيطرة على الوجدان الشعبي في مصر عميقة، ولا كان للقوة الناعمة للإسلاميين – من آداب وفنون وروافد تغذية ثقافية طوال عقود – شأن ذو بال، بل صب الإسلاميون، وفي الصدر منهم الإخوان المسلمون، كل تركيزهم على المغالبة السياسية بدون الثقافية، فسهل ابتلاعهم بما هو ثقافي؛ تمهيدا لإسقاطهم والانقلاب عليهم.

ويبدو لي الآن أن خطاب الإسلام السياسي المصري؛ كمن يبحث عن قطة سوداء في عشة مظلمة في ليل بهيم، والقطة في الحقيقة غير موجودة أصلا.

إن إمكانية إقامة أمة أولا، أو شعب أولا، بمعنى توعيته وتربيته وتزكيته وتنميته وتأهيله وترشيده – في ظني- أفضل وأكبر بكثير من إقامة “دولة”، لا سيما أن أمام الخطاب الدعوي والحركي، بعد ثورة يناير المباركة، ثم بعد الانقلاب الغاشم، الكثير لكي يحقق أهدافه المنشودة، ويعدل من مساراته، بجلب أكبر قدر من المصالح ودرء أكبر قدر من المفاسد.

إن إقامة دولة الحق – الذي هو هدف الإسلاميين المعلن – ليس كل شيء ولا منتهى كل أمل؛ لأن الدولة بمنظور العصر الحديث مؤسسة محدودة، بوظائف محددة لا يمكن أن تقوم وحدها بدون المجتمع المدني ومؤسساته الفاعلة؛ التي هي من فعل الأمة أو الشعب، ذلكم الشعب الذي في معظمه؛ لا يزال يعاني نقصا حادا وقاتلا في الوعي بمقتضيات وجوده ورسالته وسائر منظومته الإدراكية والمعرفية، كما أنه هو نفسه الشعب الذي لا تزال قطاعات ليست قليلة منه تمتلئ هواجس ومخاوف وأسئلة وتحفظات ضد قطاع من العاملين بالدعوة والسياسة وممارسيها، وهو ما يكرس لسوء تفاهم وسوء مفاهمة وسوء إفهام يستغله الخصوم.

الفرق بين إسلاميي تركيا وبين من سواهم؛ هو عدم الانجرار للمواجهة لا مع الجيش ولا العلمانيين، وجلب الشرائح الشعبية لمشروعها من خلال القوة الناعمة، وهو ما لم تعيه التجربة المصرية بعد.

على الإسلاميين أن يدركوا أنهم فشلوا في معركة القصيدة ومعركة الرواية ومعركة السينما ومعركة المسرح، قبل أن يفشلوا في معركة الحسم والحكم والسياسة.

فوجود “الدولة الإسلامية” ينقص بالقدر أو يزيد بالقدر الذي تتيحه الدولة المتوافق عليها في هذا القطر أو ذاك؛ من فرص وإمكانات لإقامة الدين، وإقامة أحكامه في الحياة الخاصة والعامة.

مسعود حامد _ عربي21