ورقات

الإثنين,11 سبتمبر, 2017
“أوبن ديموكراسي”.. الإسلام السياسي في تونس: تاريخ النهضة والاستثناء التونسي

نشر موقع أوبن ديموكراسي البريطاني مقالا مطولا للباحث فهيم حسين استعرض فيه آخر إصدار للباحثة في مركز جامعة كامبريدج لدراسة العلاقات الدولية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، آن وولف، تحت عنوان الإسلام السياسي في تونس: تاريخ النهضة، وهو كتاب يعرض التاريخ الخفي للحركة الإسلامية الرئيسية في تونس، منذ الستينيات حتى فترة ما بعد الثورة الحالية. الشاهد اطلعت على المقال وترجمته:

قد يكون واحدا من أكثر الكتب إثارة للاهتمام هذا الصيف كتابا فيه الكثير من الإضافات نوعا ما من قبل آن وولف، أحد كبار المتخصصين في تونس وشمال أفريقيا. في الإسلام السياسي في تونس: تاريخ النهضة، وولف، وهي باحثة في جامعة أكسفورد، تعرض التاريخ الخفي لحركة النهضة، الحركة الإسلامية الرئيسية في تونس، منذ الستينيات وحتى فترة ما بعد الثورة.

قبل الانتفاضات الشعبية في عام 2011 والإطاحة بالرئيس بن علي، تم حظر حركة النهضة وبالكاد بقيت موجودة. واستنادا إلى أكثر من أربع سنوات من البحوث الميدانية، وأكثر من 400 مقابلة، فضلا عن الوصول إلى الوثائق المحفوظة الخاصة، تكشف رواية وولف في تفاصيل لم يسبق لها مثيل واحدة من الجهات الفاعلة السياسية الأكثر نفوذا في تونس. وتتبعت وولف تطور التوجهات الإيديولوجية والإستراتيجية لحزب النهضة ضمن الاضطرابات المحلية التي تشهدها السياقات السياسية في تونس. وباعتباره أول تاريخ كامل للنهضة، يجب أن يشيد بالكتاب بحق باعتباره إسهاما كبيرا في الأدبيات المتعلقة بتونس والحركات الإسلامية بشكل عام، والإسلام السياسي على نطاق أوسع في العالم العربي. إنها قراءة أساسية لكل من يرغب في فهم لماذا تبقى تونس، حتى الآن، على الأقل الثورة الأخيرة التي تصمد من الربيع العربي.

ما يجعل رواية وولف مثيرة للاهتمام بشكل خاص هو إمكانية محيرة من النهضة على تقديم إجابة مختلفة على السؤال عما ينبغي أن يكون دور الإسلام السياسي في المجال العام العربي. وكانت إجابة النهضة المثيرة للاستغراب إلى حد ما هي المطالبة بتجربة تونسية محددة. وعلى الرغم من ادعاء الاستثناء التونسي، لا يسع المرء إلا أن يتساءل عما إذا كان مثل هذا الادعاء ينفي احتمال وجود ديمقراطية إسلامية تقدم نهجا مختلفا عن فشل الإخوان المسلمين المصريين، أو حزب العدالة والتنمية التركي، الذي كان قد تم الاشادة به بوصفه الحزب الأول ما بعد الإسلامي، ولكن دوره الاستبدادي المتزايد قد أثار استياء المراقبين من الداخل والخارج.

إن وولف جيدة بشكل خاص في تمييز النهضة عن جماعة الإخوان المسلمين المصرية، التي يعتبرها العديد من المحللين كحركة إسلامية نموذجية؛ ففي حين أنها تلاحظ ذروة نفوذ الإخوان المسلمين في السبعينيات، فإنها تعرض التراث الفكري لحركة النهضة في الطبقات الدينية الإصلاحية في جامعة الزيتونة الإسلامية التي أعيد فتحها مؤخرا، والتي اعترضت على الاختراق الاستعماري الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر. والشيء الذي يتجلى بوضوح هو أن النهضة ترى نفسها بأنها ترث فرعا منشقا من الإسلام، وعارضت المؤسسة العلمية الرسمية التي اختارها النظام الذي كان يخضع للمصالح الاستعمارية الفرنسية على حساب مصالح الدولة التونسية. وتشير وولف إلى أوجه التشابه بين النهضة وأولئك العلماء الإصلاحيين الذين لا يرفضون الحداثة، ولكنهم يصرون على توفير بديل إسلامي حديث. وفي رواية لها، تقدم وولف المزيد من الدعم لقراءة أكثر تناقضا للحداثيين العرب في وقت مبكر ليس كمصلحين ليبراليين، الذين لا يريدون جعل الإسلام أكثر “تقدميا” كما سنرى، ولكن الذين يريدون بلورة الإسلام لجعله أكثر ملائمة لحياة المسلمين المعاصرين.

كما أن وصْف جذور النهضة كورثة للتراث الزيتوني الإصلاحي أمر هام أيضا لإثبات جذورها التونسية. وهذا يؤدي إلى تقويض الجهود التي تبذلها الأنظمة المتعاقبة للتساؤل عن جذور النهضة التونسية، وإلحاقها بركب التخريب الأجنبي، الذي تقوم به مصر أو المملكة العربية السعودية أو ذات الأهمية الأكثر معاصرة لإيران أو قطر، اعتمادا على السياق السياسي. إن هذا التوضيح ضروري، فهو لا يتحدث فقط عن فعالية دعاية بن علي كما هو الحال بالنسبة للقوة الثابتة للتقاليد العلمانية الفرنسية وسط النخب العلمانية القوية في تونس.

وتفكك وولف صورة تونس القديمة باعتبارها “حصن العلمانية”. وتشير إلى أنه في حين قام أول رئيس للبلاد الحبيب بورقيبة بمبادرة كبيرة للقيام بحملات تحديث علمانية بقوة، التي بنى عليها خلفه لاحقا، والتي شملت تفكيك المؤسسة الدينية التقليدية في جامعة الزيتونة والقيروان، جواهر العلوم الإسلامية في شمال أفريقيا، فإن أغلبية الشعب لم يتبناها. فبينما كانت الدولة تهمش التعبيرات السياسية للإسلام واستفادت بنجاح من استخدام صورة دولية للدولة العربية العلمانية بامتياز، فإن هذه الواجهة كانت عارية بشكل لافت للنظر، مع فوز النهضة بانتصار ساحق بنسبة 37٪ أكثر من ثمانية أحزاب بارزة التي لا تتجاوز نسبتها 35٪ فقط، على الرغم من عدم وجود تنظيم للقاعدة الشعبية قبل عام واحد من الثورة. وعلى الرغم من أنها خسرت دعمها في انتخابات 2014، ورغم أنها أصبحت الحزب الرئيسي الثاني، أكدت النهضة أنه فازت وبقيت لاعبا رئيسيا من اللاعبين الذين سيواصلون تشكيل مستقبل تونس.

سنوات القمع التي عانت منها النهضة خلال سنواتها بعيدا عن الأضواء سواء في فترة حكم بورقيبة ولا سيما في عهد بن علي تمت تغطيتها إلى حد كبير وبشكل يثير الشفقة والتعاطف. بدءا من الحرمان الجسدي والعزلة الاجتماعية إلى التعذيب أثناء السجن، ومضايقة أسر المعتقلين وإساءة معاملتهم. وعلى الرغم من نثرها الموزون، لا تتردد الكاتبة في تقديم تعليق حاد. فعلى سبيل المثال، تدعي أن نشطاء النهضة “استوعبوا رواية الضحية” بينما فشلوا في الاعتراف بأي عنف قد يرتكبونه أو يهددون بارتكابه. وفي حين أنه من السهل أن نرفض مشاعر وولف بسبب غلظتها إلى حد ما، فإنها تميز بشكل صحيح بين أعمال التعذيب والمضايقات التي تعاني منها النهضة واحتضان الأخيرة للضحية. وحتى لو كنا مترددين في الحقد على ضحايا التعذيب بسبب أي استياء تجاه أعضاء النظام السابق، فإنه ينبغي أن نتذكر أن هؤلاء النشطاء يتفاوضون مع أعضاء النظام السابق. وهو شرط مسبق محرج لسياسات تونس الناجحة في مرحلة ما بعد الثورة، وأنه يجب أن يكون شاملا ومتوقعا بما فيه الكفاية لإعطاء عناصر النظام السابق حصة في الوضع الراهن الجديد ما بعد الثورة، باستثناء الأكثر فظاعة. وبعد قراءة بعض روايات وولف المروعة يجب أن نشعر بالتأكيد أن المعذبين يتفاوضون مع معذبهم. والقول بأن مثل هذه المشاعر أسهل من القيام بها إنما يضع في المنظور مدى صعوبة بناء تونس الديمقراطية في الواقع.

وفي المجال الذي كثيرا ما يناقش الإسلاميين دون السماح لهم بالتعبير عن أنفسهم، تعتمد روايتها على مئات المقابلات، ويكشف الكتاب بنجاح أصوات أولئك الذين يُكتب عنهم. روايتها تترك القارئ ليس فقط يريد أكثر، ولكن أيضا يتساءل ما تركت بها. ومن الأمثلة الصارخة على هذا الأخير مدى إصرار الأشخاص الذين أُجرِيت معهم مقابلات على عدم الكشف عن هويتهم. وفي حين أن مراقبا تونسيا محنكا قد يلهيهم في محاولة لتخمين مَنْ أو ما فصيل حزب النهضة الذي يأتي من المستجوب، فقد يتساءل مراقب أقل خبرة كم سيكون الوضع السياسي الراهن غير دائم إذا ما اختار العديد منهم أن يظلوا مجهولي الهوية بعد مرور ست سنوات على الثورة. ومن الملاحظ أن النشطاء يُبقون رهاناتهم مخفية خوفا من الثورة المضادة المحتملة وأي حملة دموية تلي ذلك.

إنه تذكير مفيد بكَمْ ظلت رواية التجربة الديمقراطية مستمرة في تونس، وأنه لم يتم بعد وضع أي معايير سياسية تتجاوز النخبة الضيقة. قارِنْ كيف يختلف هذا الوضع بالنسبة إلى تركيا حيث على الرغم من حدوث انقلابات عسكرية منتظمة التي تسوّق كانقلابات تصحيحية، فإن الفكرة المراد ترويجها هي أنه بعد فترة وجيزة فإن القاعدة المعترف بها هي العودة إلى الديمقراطية وإن كانت العلمانية تمثل بقوة المثل الأعلى. الآن فقط بعد تاريخ طويل من الانقلابات، تصبح فكرة الانقلابات أمرا لا يمكن تصوره تدريجيا لدى عامة الشعب. ومن الجدير بالذكر أنه في عام 2016 حتى الأحزاب العلمانية البارزة، أولئك الذين استفادوا من أي تصحيح علماني، أدانوا على الفور أي نوع من أنواع محاولات الانقلاب.

ولا يمكن للمرء أن يقول نفس الشيء بوضوح عن تونس، وأن يضع في الاعتبار سبب إعطاء قيادة النهضة الأولوية للمصالحة الاقتصادية بدلا من قمع رأسمالية المحاباة بحيث تعيق الاقتصاد. وتشير وولف إلى أن ذلك سيؤدي إلى تجميد تحقيقات الفساد مع الوعد في المقابل بضخ رأس المال في الاقتصاد. ومن الواضح أن الأساس المنطقي هنا ليس اقتصاديا وإنما سياسيا، وبعبارة أخرى، نوع من سياسة التأمين حيث الفكرة هي أن أعضاء ورجال أعمال النظام السابق والنخبة السياسية سيكونون أقل استعدادا لزعزعة استقرار الوضع السياسي الراهن عندما يكون لديهم الكثير من رأس المال المستثمر في ذلك. وما يلفت النظر أن كلا الطرفين يعرفان مدى أهمية هذه العناصر التجارية والبيروقراطية لنجاح تونس، لا بسبب رأسمالها فحسب، بل لأنها تحتكر الدراية العملية والخبرة التجارية. إن قيادة النهضة تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه، وعليها أن تغض نظرها عن أي اشمئزاز قد تشعر به إزاء أي “قذارة” متصورة، لأنهم يعرفون أن التهديد برحيلهم سيقلل إلى حد كبير من مرحلة ما بعد الثورة في تونس ويعودون إلى نفس الظروف الاقتصادية التي حرضت على الثورة في المقام الأول. وعلاوة على ذلك، فإنهم يعرفون أنهم ليسوا الوحيدين الذين يجذبونهم، وأن المؤيدين الخارجيين الهامين يجادلون ولا يريدون شيئا أكثر من فشل تجربة تونس الديمقراطية، وهو أمر أصبح بارزا بشكل خاص في ضوء أزمة الخليج.

وفي حين نُشِر كتاب وولف قبيل أزمة الخليج، إلا أن الأزمة لم تسلط الضوء إلا على مدى تعرض نجاح تونس للنزاعات السياسية الخارجية. وهذا هو الحال خاصة أن جميع الأطراف في الأزمة قد قامت باستثمارات إستراتيجية، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وأبرزها الموجودة حاليا على الجانب الآخر من الصراع، قطر التي قدمت في نوفمبر 2016 أكثر من 1.25 مليار دولار كمساعدات. وفي ضوء علاقاتها الاقتصادية مع جميع الأطراف، ظلت تونس محايدة رسميا، حيث أن الأساس المنطقي الذي تستند إليه هو أن تونس لا تستطيع ببساطة أن تتحمل طرفا على طرف آخر. وبطبيعة الحال، فإن الأزمة نفسها مثال جيد على كيفية تقييد السياسة الخارجية للبلدان الصغيرة مثل تونس، ومدى معرفة التقاطعات الصغيرة بالإجراءات والتفاعلات المحتملة لجيرانها الأقوى.

وفي هذا الصدد، فإن الإغفال المهم للكتاب هو الحد الأدنى من التغطية المقدمة لتفكير النهضة وكيفية اطلاعها على العلاقات مع جارتها. وفي هذا السياق حتى لو كان نهج وولف هو النهج الإثنوغرافي وتركيزها يكمن في دراسة تاريخ النهضة نظرا للبيئة المحفوفة بالمخاطر التي تجد فيها تونس نفسها، مع حرب أهلية في الجوار الليبي، ومجاورة نظام عسكري في الجزائر مع تاريخ مضطرب مع الإسلاموية ، سيفاجئ المرء إذا لم تكن حسابات قيادة النهضة معلومة من قبل الأطراف الخارجية التونسية. نأخذ على سبيل المثال فرنسا، السلطة الاستعمارية السابقة في تونس، التي كان دورها الوحيد في الكتاب هو موقع نفي لنشطاء النهضة، كما هو الحال في سويسرا والمملكة المتحدة، وهذه الأخيرة هرب منها الغنوشي نفسه. والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو الإشارة الضئيلة إلى الجزائر التي اتُّهِمَت بارتكابها لأفعال قاتمة في الحرب الأهلية الجزائرية خلال التسعينات، ونظام لم يتردد قطُّ في التدخل في صراعات جيرانه إذا خدمت مصالحه الاستراتيجية المتصورة. ويتصور المرء أنه سيكون مهتما بظهور ديمقراطية يهيمن عليها الإسلاميون المجاورون. ولكن حفظا لفتات الخبز الأكثر إثارة للفضول؛ نحن نعلم أن الجنرالات الجزائريين هرّبوا الغنوشي، ولمّحوا إلى “علاقة خاصة” مستمرة بينهم، باستثناء ذلك، هناك القليل جدا في رواية ​​وولف ما يوحي إلى أن النهضة كانت واعية بغوريلا الخمسمائة جنيه المجاورة.

وبالتفكير في كيفية ارتباط كل هذا بالسياسة الداخلية لحزب النهضة، فإن الانطباع القوي يتشكّل عن مدى عدم وجود معارضة علمانية موهوبة تعرقل حركة النهضة. وفي ظل غياب رقابة داخلية للحركة، سرعان ما سلطت قاعدتها الضوء على نظريات المؤامرة التي تفسر إحباط أهداف النهضة. والمشكلة الأسوأ ليست أنهم غير قادرين على العمل، ولكن ربما يكون هناك المزيد من الحقيقة أكثر من الأكاذيب. ومع أن بعض الدول الخليجية قد حققت سمعة طيبة باعتبارها مراقبا إقليميا للإسلاميين في جميع أنحاء المنطقة، فإن مخاوف أحد الرعاة الإقليميين قد أثبتت بشكل غير متوقع أن تكون أكثر فعالية من وجود 500 جنيه من الغوريلا المتحاربة إلى حد ما في الجوار. ويتساءل المرء إذا كان في ظل غياب معارضة قوية، فإنه بوسع حزب النهضة أن يتحلى بالانضباط ويمارس ضبط النفس على طموحه وشعوره بالاستحقاق ويُعقِّل البيئة الاستراتيجية في تونس التي سبق أن حافظت على توازن طبيعي لطموحات الجميع.

وإذا كانت وولف تكشف عن ماضي النهضة، فإنه يبدو أكثر بيضاويا من مستقبلها. وهي تنصحنا بحكمة بأن نكون حذرين من الرضا عن النفس، و تُشكِّك في ما إذا كان يمكن اعتبار الثورة التونسية بعدُ بأنها ناجحة. ففي حين أن إحياء الثورة الوحيدة المتبقية ينبغي أن يُحتَفلَ بها، إلا أنها تحذر جمهورها من التفكير بالتمني؛ إذ يجب ألا نخلط بين تسمية تونس للمجتمع السياسي “أقل استقرارا” في مرحلة ما بعد الربيع العربي، لأنه يستحق أن يكون نموذجا للحكم في الدول العربية الأخرى. والواقع أن التهديد الذي تشكله مثل هذا التسمية قد شجع عناصر داخلية وخارجية على حد سواء، على العزم على زيادة زعزعة استقرار السياسة التونسية. كما تشير وولف إلى أن حركة النهضة نفسها غير مهيأة لمعالجة المشاكل المستقبلية قبل مجيئها إلى السلطة، فقد اكتسبت القليل من الخبرة في الحكم سواء في السياسة المحلية أو الوطنية، على عكس حزب العدالة والتنمية التركي. وبدلا من ذلك، كانت القيادة نابعة من صراع أيديولوجي الذي جعلها غير مستعدة لقضايا السياسة والقيادة الوطنية: وكما قال بعض أعضاء الحزب البارزين أنفسهم لأحد المحللين، “ذهبنا من السجن إلى القصر”.

أما الأمل في أن تصبح النهضة فاعلا سياسيا إسلاميا تقدميا، بعد مئات المقابلات مع نشطاء النهضة شككت وولف في مدى أن يكون التزامهم التقدمي حقيقيا. وفي إشارة إلى أن حزب النهضة يعتبر بمثابة الخيمة الكبيرة للحزب، فإن روايتها تلفت النظر إلى الاختلافات بين كوادرها القيادية، كما أنها تحدّ بوضوح من دور الغنوشي وسلطته الأيديولوجية التي تحجب الكثير من الرؤى الأخرى. وعلى الرغم من أن صوته مهم بشكل واضح، الغنوشي هو واحد من الأصوات المهمة بين الكثيرين. وعلاوة على ذلك، تعتقد وولف بأن تبني الشيخ راشد الواضح للديمقراطية والحكم المتعدد الأحزاب تحفزه حتميات استراتيجية بقدر ما هو نابع من قناعات أيديولوجية. أكثر من ذلك، في حين أن وجهات نظر قيادة النهضة يمكن أن يطلق عليها في أحسن الأحوال “ليبرالية” وفي أسوأ الحالات “براغماتية”، فإن وولف ترى أنه لا يمكن للنهضة أن تعتبر حقا مُصلِحة إلا عندما تحتضن قاعدتها هذا الالتزام التقدمي. وتلاحظ كذلك أن العداء الخبيث والاشتباه في المعارضة تجاه حزب النهضة لا يعمل إلا على تأكيد الدفاع عنها لدى الضحايا، وليس موقفا يفضي إلى انتقال ناجح إلى الثقافة الديمقراطية الشاملة التي تحتاجها تونس.

في هذه المرحلة، من الجدير بالذكر ما إذا كانت وولف، إلى جانب المحللين الآخرين، لا تعطي فقط إجابة خاطئة، ولكن ربما تنغمس في السؤال الخطأ. ما مدى الاقناع باقتراح أنه إذا كانت النهضة لا ترغب في أن تصبح تونس ديمقراطية ليبرالية، فإنها تعتبر تلقائيا شريكا غربيا غير مناسب؟ وينبغي أن يعمل الغرب حقا على تحويل النهضة إلى حزب ديمقراطي ليبرالي تقدمي، بدلا من اعتبار حزب النهضة كشريك لبناء ديمقراطية نموذجية جمهورية غير استبدادية قوية.

وحقيقة أن الجميع لا يشاطروننا قناعاتنا بأن الديمقراطية الليبرالية ليست الحل الأفضل لا ينبغي أن يفاجئنا. وربما لا ينبغي أن يدهشنا أن الثقافات الأخرى تتخذ وجهة نظر أكثر حيادا وأكثر براغماتية تجاه الإصلاحات الليبرالية، من الدول الغربية التي ينطوي مفهومها الذاتي على نبذ انتصار لعصر الجهل المظلم الذي سبقه. ولعل تونس تعتبر دولة غارقة في تقاليد ما قبل الحداثة التي كانت تسبق الثورة الديمقراطية والليبرالية الحديثة والتي كانت تتمتع بسنواتها الذهبية قبل بداية التصنيع والاستعمار والتحديث كمجتمع قد يكون أكثر ممانعة ومقاومة للديمقراطية الحديثة والثورة الليبرالية. وبهذا المعنى، قد نحتاج إلى الانتظار حتى يظهر اللاهوت السياسي العضوي الداخلي الذي يبرر نموذج الحكم الديمقراطي الاسلامي وفقا لتقاليده الداخلية. ومع ذلك، فإن مثل هذا المظهر الحديث سيكون بالضرورة مثيرا للجدل ولا سيما بالنظر إلى أنه لا توجد سلطة مركزية هرمية التي يمكن أن تغير تقليدا مع ضمانات بدءا من الأعلى.

ولعلنا بحاجة إلى تعديل استثناءنا بشأن النتائج الجيدة للمنطقة وما ينبغي اعتباره “نتيجة جيدة” للإصلاح السياسي. وهذا لا يقلل من شأن البلد، ولكن ربما يكون أكثر واقعية في قبول أن أشكال الحكم الديمقراطي يجب أن تتناسب مع سياق السكان المحليين. ودعونا لا ننسى مثل هذه المشاعر وتكرر الحجج التي أدلى بها أوائل المفكرين الإسلاميين الإصلاحيين الزيتونيين أن النهضة تدعي الانتساب إليها.

ومع هذه التوقعات أكثر قياسا في الاعتبار، يبدو أن تقرير معهد هدسون السياسي الممتاز من قبل اريك براون وصموئيل تادروس، يؤيدون الجمهورية الإسلامية. ويقترحان أن يكون الهدف الاستراتيجي الأميركي ل “تونس أن تظهر كديمقراطية مستقلة يمكن أن تسهم في حل أكبر أزمة للحكم والجمهورياتية في العالم الناطق باللغة العربية”. في هذه الحالة، ما يتم عرضه ليس أمل الديمقراطية الليبرالية، بل فكرة أكثر واقعية، بل غامضة، إذا كانت الديمقراطية المسلمة غير الاستبدادية كبديل ل’الخطاب السياسي للإسلاموية والعلمانية التي لم يعاد تشكيلها’. وهذا سيسمح بفكرة الديمقراطية التونسية الشاملة التي لن تؤدي علمانيتها المفرطة إلى إبعاد الشعب التونسي عن الاندماج في مجتمع سياسي أوسع في الجمهورية الجديدة. بل أنه بقدر أكبر من التفاؤل يمكن أن يُفتح الباب أمام إمكانية الإصلاح السياسي التدريجي بدلا من ثورة الانفجارات المدوية مع المخاطر التي تجلبها هذه الأخيرة. وإن إمكانية وجود مجتمع سياسي تونسي نابض بالحياة، ليس أمرا مرغوبا فيه فحسب بل يمكن تحقيقه أيضا، ويمكن أن يثير نقاشا حول نوع نماذج الحكم التي يمكن تحقيقها في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بشكل عام.

وعلاوة على ذلك، فإنهم يدركون أنه داخل حزب النهضة هناك اتجاهات متنافسة ويشددون على أهمية تعزيز الاتجاه الأكثر اتساما بالطابع العملي الذي سيسمح له بالتنافس على نحو أكثر فعالية مع الاتجاهات السلفية أو الإسلامية الأخرى. وبقدر ما يأملون في أن يتمكن هذا الاتجاه من “إقناع صفوفها وقيادتها بأن النزعة الإسلامية قد انتهت وأن تونس الديمقراطية دولة مسلمة بالفعل؛ في الواقع، يتطلب الإسلام الديمقراطية المدنية والتعددية، وبذلك تصبح النهضة شريكا أكثر قابلية للبقاء لإمكانية إنشاء نظام مستقر على المدى الطويل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومع ذلك، فإنهم يدركون جيدا أن هناك حاجة إلى مزيد من الوقت لإجراء مثل هذا التغيير، والأمر الشاغل على طول التقرير هو ما إذا كان هذا الوقت سيفرز على الاطلاق هشاشة الثورة.

إن نوعية الإسلام السياسي في تونس حسب آن وولف، وهي صورة متعاطفة وواقعية لحزب النهضة، تجعلنا نقدر كل الأسباب التي جعلت بعض الأمل في أن يصبح شريكا رائدا في بناء الديمقراطية الإسلامية الجمهورية. إلا أن هذه الأسباب نفسها تفسر لماذا لا تزال تونس ما بعد الثورة هشة، في سخرية مأساوية، وتفسر أسباب الآمال نفسها لماذا يستثمر الكثير من الفاعلين في الخلل الديمقراطي المستمر في تونس على أسوأ الأحوال، وفي تدميرها في أحسن الأحوال. ويبدو أنه بعد ست سنوات من الربيع العربي، يظل احتمال الاستثناء التونسي محفوفا بالمخاطر، وكل شيء لا يزال قائما.