ورقات

الخميس,16 يناير, 2020
أطفال القمر.. أمل وأحلام لمقاومة العتمات


آية (25 سنة) ليست سوى نموذج مصغر لمئات الأطفال الذين يعيشون في الظلام، ويهربون من أشعة الشمس.. حياتهم مختلفة عن حياتنا، العتمة تحيط بهم من كل جانب ولكن قلبهم يشع بالأمل. ربما هو نور الأمل والإصرار على النجاح.

كانت تجلس في ركن مظلم من أركان جمعية مساعدة أطفال القمر بالمنار وابتسامة مشرقة تبدو على وجهها فتخفي الظلام المحيط بها وتمسك بين يديها أقلاما ملونة وورقة رسم ترسم بهم وردة مزهرة. تلمع عينيها عندما تتحدث عن أحلامها وطموحاتها قائلة: “وراء إصابتي بهذا المرض مشيئة إلهية عليا منعتني أن أرى نور الشمس وضياءها ولكنها في المقابل منحتني القوة والعزيمة لأشرق وأواصل السير على درب أحلامي فأواصل تعليمي في الجامعة وأتميز في مجال الرسم”.

عتمة ممزوجة بالأمل

بدأنا جولتنا لنعاين جزءا من حياة هؤلاء الأطفال التي اتسمت بالأمل والتفاؤل الذي لمحناه في عيني “آية” منذ دخولنا الى مقر جمعية مساعدة أطفال القمر بتونس يوم السبت. ورغم صعوبة المرض فقد وجد المصابون بهذا المرض السند القوي من هذه الجمعية التي تأسست سنة 2008 بمبادرة من المجتمع المدني وأولياء وأطباء. وتتابع الجمعية 465 حالة من مختلف الولايات تجاوز ثلاثون بالمائة منهم سن العشرين.

لم يكن هذا الهيكل ليرى النور لولا وجود رغبة في خلق جهة تدافع عن حقوق هؤلاء الأطفال وتغوص في تفاصيل حياتهم وتمنحهم بصيصا من الأمل. حيث تعمل على توفير وسائل الحماية والوقاية لأطفال القمر وإدماج طفل ابن القمر بالمدرسة والمجتمع من خلال توفير مساحة عيش خالية من الأشعة ما فوق البنفسجية وتنظيم أنشطة ثقافية إضافة إلى التقليص من عدد المرضى الجدد عن طريق التوعية والتحاليل الجينية.
تحدثنا السيدة مريم آمنة رئيسة الجمعية، امرأة في مقتبل العمر ترتدي قميصا أسود ذا أزرار حمراء. ربما توحي إلى نقطة الأمل والضياء رغم العتمة. كانت علامات الطيبة ورحابة الصدر تبدو على وجهها:
“ننظم لهم بالتعاون مع جمعيات أخرى أنشطة متنوعة وورشات تكوين في أماكن متعددة. لقد سجلنا هذه السنة انخراط المزيد من الشركاء الذين وضعوا ثقتهم فينا وشاركونا هذا الهدف كما تميزت هذه السنة بنجاحات أطفال القمر وتفوقهم وتمكنهم من الاندماج وتميزهم بإبداعاتهم الفنية”.

من كان يتصور أن تتغير أحوالهم من اليأس والعزلة وفقدان نور الشمس في عز الطفولة إلى الأمل والنجاح والتفوق؟ اليوم بدأت السعادة تحوم حول سمائهم يدرسون، ينجحون ويبدعون، منهم من يغني فيطربنا بكلماته التي جمعت بين جمال الصوت وتناسق الإيقاع وحفاوة المضمون. منهم من يرقص فيشدنا إليه ويجعلنا ننسى كل الظلام المحيط به لنغوص بين تفاصيل جسده الرشيق.

استرعي انتباهنا الطفل “ناظم”، يبلغ من العمر12 سنة، ونور من الأمل يشع من بؤبؤ عينيه. كان يمسك بين يديه آلة عزف. تقدمنا منه وطلبنا منه أن يعزف بعض الألحان الموسيقية فاستجاب لطلبنا وعلامات الفرح والسرور تزين وجهه. أبهرنا وأمتعنا ونسينا في تلك للحظة أننا أمام طفل يحمل مرضا نادرا.

تقول أمه، وهي شابة تبدو كل علامات القوة والإيمان على محياها، فهي بلا شك التي نقلت لابنها إيمانها بالتعليم وعدم الرضوخ للعراقيل التي تقف أمام الإنسان مهما كان حجمها: “لم يتقبل ابني في البداية هذا المرض إلا أنه ومع مرور الزمن استطاع أن يتجاوزه ليواصل سيره في درب الحياة وتمكن من النجاح والتفوق في دراسته وموهبته في الموسيقى”.

لاحظنا فتيات يرتدين أقنعة ونظارات تحميهن من أشعة الشمس، إحداهن تصنع مجوهرات فتبدع في تشكيلها، أما الأخرى فمنهمكة في صنع صابون معطر وابتكار أشياء أو تحويل مستلزمات قديمة إلى قوارير وأساور ومعدات للطبخ تدل علي روح إبداعية.. نعم هي من صنع هؤلاء الشباب والفتيات الذين قدموا لنا درسا في حب الحياة.

كان السيد محسن السونيقي المكلف بالنشاطات في الجمعية ينظر إليهم بحب كبير.. رجل في عقده الأربعين يلبس قميصا يحمل شعار الجمعية وعلامات الأمل والحب الكبيرين منطبعة على وجهه.

يحدثنا عن هؤلاء الأطفال كأنه يتحدث عن أبنائه: “نناضل لإعادة الابتسامة للمصابين بهذا المرض وها نحن نرى ثمرة جهودنا متجسدة في هذه الزهور المتفتحة والمقبلة على الحياة رغم قساوة المرض، وهو ما يشعرني بالسعادة”.


أحلام أقوى من كل القيود

ولم يكن هذا الأمل نابعا من لا شيء، وإنما خلق وازدهر من خلال جملة من الأحلام صنعها هؤلاء المصابون بهذا المرض لأنفسهم رغم القيود التي تحيط بهم.. هم أطفال عدوّتهم الشمس وأنيسهم الليل وزادهم الأمل. عددهم ليس كبيرا في تونس يتعايشون مع مرضهم ويحاولون التأقلم مع وضعهم.. سلاحهم في ذلك الأمل وشعارهم لا شيء يقف أمام أحلامهم فالنور المتوهج في قلوبهم أشد صلابة من العتمة التي تحيط بهم.

حدثونا عن عالمهم الخاص المختلف عن عالمنا الذي لا يعرفون عنه شيئا سوى بعض التفاصيل التي يسمعونها عن آبائهم والتي لم تكن تهمهم لأنهم اختاروا العيش بهذه الطريقة وتقبل وضعهم بكل أمل وقناعة ورضى. فهذا العالم لم يمنعهم من بناء عالم مضيء بالأحلام.

شدّ انتباهنا الشاب “منير”، عشريني يرتدي قبعة ونظارات. كان منهمكا في قراءة كتابه كأنّه وجد في العلم حلاّ يكسر به كل القيود ويعيش في عالم قد يرفضه البعض، ولكن لا شيء يقف أمامه.. أخبرنا أنّه سيجري هذه السنة امتحان الباكالوريا وأنّه اختار التخصص في العلوم التجريبية لأنّ إيمانه العميق لم يفقده الأمل في تطور الأبحاث والدراسات لإيجاد حل لهذا المرض. فلعله يواصل تعليمه ويخترع دواء له ولأمثاله من أطفال القمر.

“سلمى” هي الأخرى كانت تتفحص كتابا كأنها تغازله، حتى أنّها لم تنتبه لوجودنا.. “لم يسعفني الحظ لمواصلة دراستي في المدرسة العمومية بسبب رفض زملائي في الدراسة ونعتي بأبشع النعوت، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعني من بدء التحدّي من جديد، فالتحقت بالتكوين المهني اختصاص تقني سامي، لأنّني أؤمن أن لا شيء يقف حاجزا أمام الأحلام. أريد أن أتوجه بالشكر وعبارات المحبّة لأكل أعضاء الجمعية والمكوّنين ولكل من أدخل الفرحة لقلوبنا ولو بكلمة. أشكر أمّي التي طالما اعتبرتها شمسي التي تشرق كل يوم لتخبرني أنّني منعت من رؤية الشمس الطبيعية ولكنني رزقت بشمس (تشير إلى أمّها) هي عالمي الخاصّ”.

ألقينا نظرة على “آية” التي تركناها منهمكة بين فرشاة التصوير وأقلام الرسم في عالمها الخاص ترسم وتبدع. شد انتباهنا تناسق الألوان وانسجام كبير في رسمها التي أبدعت فيها وطبعت فيها جمالا فياضا من روحها، فكأنها رسمتها بآلة تصوير.. أينما قلّبت فيها النظر من كل الاتجاهات تعطيك انطباعا خاصا وتبعث فيك شعورا بأن هذه الصورة هي من صنع إنسان يحمل رسالة عميقة ويسعى إلى تحقيقها.

“آية” شمس تشرق وتبعث ضياءها إلى أمثالها من المصابين بهذا المرض لتعلمهم أن مرضهم ليس قيدا وأنّ أشعة الشمس المشرقة هي في الحقيقة ذلك الأمل الذي يجب أن يتحلّى به كل من اختار أن يحقق لنفسه هدفا.. أن يخوض في الحياة ويسلك طريقا يختارها هو بنفسه بكل عزم وحماس. فهذا المرض قد يحجب عنّا رؤية الشمس لكنه لن يحجب عنّا الطريق لنبدع ونغوص في أحلامنا ونصنع من الظلام نورا.. “فخورة بأنّي تركت مرضي ورائي وانطلقت في رحلة الحياة بحثا عن التفوق والنجاح كسائر الناس”.. بهذه الكلمات النابعة من القلب ودّعتنا آية.. الروح التي جمعت بين الإبداع والأمل.

غادرنا مبنى الجمعية بعد أن ودّعنا تلك الأزهار المتفتحة وبقيت ابتساماتها النابضة من أعماق قلوبها وكلماتها راسخة في أذهاننا.

علمنا هؤلاء كيف يحيا الإنسان وكيف يفتح روحه للأمل.. تمنينا لو أنّ عقارب الساعة توقفت في تلك اللحظة التي لمحنا فيها الفرحة في عيون أطفال وشباب تأقلموا مع أوضاعهم وضمدوا جراحهم رغم قساوة المجتمع، فهم لم يطلبوا من الآخرين سوى تقبلهم كما هم.

الأثر النفسي للرفض أو الاندماج

جفاف الجلد الاصطباغي مرض وراثي نادر، ويشير الدكتور لطفي بوغانمي المختص في علم النفس إلى أنّ هذا المرض الذي تم اكتشافه لأول مرة سنة 1870 يصيب قرنية العين والجلد اللذين يصبحان حسّاسين تجاه الأشعة ما فوق البنفسجية الموجودة بأشعة الشمس وحنى بمصابيح الإضاءة العادية. وهو مرض يؤثر في نفسية المصاب، حيث إنّ حوالي 30 بالمائة من الأشخاص الذين أصيبوا بهذا المرض يعانون من الضمور العصبي، لأنّ صورة ذهنية تنطبع في أذهان المصابين حول خطورة مرضهم، خاصة عند رفض المجتمع لهم، ما قد يؤدي إلى إصابتهم بمرض سرطان الجلد.

وفي حالات أخرى يتولد لديهم شعور بالراحة النفسية عندما تنعكس الصورة الذهنية حول إمكانية إيجاد دواء لهم، وينصح الطب النفسي بالإحاطة النفسية والاندماج وقبول المجتمع  لتجاوز آثار هذا المرض.

وقدتجولنا في شارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة لنعرف مدى تفاعل المجتمع التونسي مع هؤلاء الأطفال، ونظرته إليهم. وعبّر البعض عن عدم معرفته بأطفال القمر عدى بعض التفاصيل البسيطة كعدم تحملهم أشعة الشمس وآخرون أكدوا لنا أنّ هذا المرض نادر وعدد المرضى ليس كبيرا، وهو ما يجعل المجتمع لا يهتم كثيرا بهم، مثل اهتمامه بأمراض أخرى مثل السرطان أو حالات المكفوفين.

وشدّد البعض على أنّه من النادر أن يعترض طريقهم في الشارع هؤلاء المصابون، وهم يحاولون معرفة تفاصيل مرضهم والوقوف إلى جانبهم لكن لم تسنح الفرصة للاختلاط بهم.

فاتن الحويمدي