ورقات

الجمعة,24 يناير, 2020
أسلمة العولمة أم عولمة الإسلام.. مقاربة تحليلية في جدلية العلاقة بين الإسلام والعولمة

        هذا الموضوع إشكالي والإشكال فيه من زاويتين، الأولى من جهة علاقة الإسلام بالعولمة، والثانية من جهة تفاعل الإسلام مع المتغيّرات الحديثة باعتباره دينا صالحا لكلّ زمان ومكان و مؤثّرا في الإنسان.

        أرى الكثير من المقالات والكتابات إن لم أقل جلّها إمّا تتّهم العولمة بغزوها للإسلام ومحاولتها تهديم ما بناه من مبادئ وأسس وإمّا لضعف القراءات المتأمّلة في الخيط الرقيق والشفّاف الرّابط بينهما.

        ونحن لا ننكر الخطر الداهم علينا من العولمة. ولكن عوض أن نبقى مكتوفي الأيدي أو نتهافت على اتّهامها، علينا أن نجتهد للبحث عن السبل الممكنة الكفيلة لإيجاد مقاربة بين هذين المفهومين المتناقضين في الظاهر. وأوّل هذه السبل تجاوز النظرات التهديمية القائلة بخطر العولمة وضرورة التصدّي لها لأنّ ذلك من باب التعصّب والانغلاق على الذّات. فالعولمة اليوم حقيقة لا يمكن إنكارها وواقع لا يمكن تجاوزه، وكلّ انغلاق في نظري هو سبيل للتخلّف عن ركب الحضارة العالمية وتقوقع على الذّات. ومن جهة أخرى لا يُمكن الانصهار الكلّي في هذا التيّار لأنّ في ذلك فقدانا للهويّة والخصوصيّة. ولا يمكن أيضا محاولة التوفيق بينهما لأنّ كلّ توفيق هو ، في نظري، محاولة للتلفيق.

        وقبل أن نقدّم رؤيتنا لا بدّ أن ننظر في مفهومي “العولمة” و”الإسلام”. كلّ على حدة حتّى يمكننا فصل القول فيهما.

         أمّا العولمة فتدعو في مفهومها العام إلى صياغة قواعد مشتركة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا بين جميع البشر. على أنّ الرؤى فيها مختلفة فهناك من يربط بين العولمة والحداثة خصوصا في مجال علم الاجتماع، ويميل الاقتصاديون إلى تناولها في علاقتها بالرأسمالية والاقتصاد العالمي أمّا في العلاقات الدولية فنجدها مرتبطة بمؤسّسات الحكم العالمية أمّا في المجال السيّاسي فيعتبرها اليساريون امتدادا للرأسمالية العالمية ويعدّها المتديّنون مرتبطة بالمجال الإلحادي التحرّري من كلّ ما هو مثيولوجي.

        وإذا جمعنا مختلف الآراء وتجاوزنا الاتّهامات الموجّهة إليها يمكن القول ” إنّه ليس هناك مجال معرفي واحد يمكن أن يشملها أو يقدّم تفسيرا كافيا لأبعادها وتجلّياتها وتأثيراتها المختلفة” ( انظر كتاب ” نحو فهم للعولمة الثقافية” لبول هوبر، ص 13 وما بعدها). ولمّا كانت العولمة مفهوما شاملا يشمل جميع مجالات الحياة فهل يمكن أن تتقاطع مع الإسلام؟ وقبل أن نجيب عن هذا السؤال لا بدّ أن نبحث عن مفهوم الإسلام في ذاته.

        أمّا الإسلام فهو دين شامل، دين إنسانيّ عالميّ. ويتجلّى ذلك في قوله” وما أرسلناك إلاّ كافّة للنّاس/ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعامين/ قل يا أيّها النّاس إنّي رسول الله إليكم جميعا) وغير ذلك من الآيات الصّريحة القائلة بشمولية الإسلام. فمن وجهة النظر هذه فإنّ الإسلام دين عالمي. ولمّا كان كذلك فقد أسّس نظما في الحكم يكون الخليفة بمقتضاه هو الحاكم الفعلي للدولة الإسلامية المسؤول على المجال السياسي ونظامه ويعيّن قضاة للبتّ في القضايا. ثمّ إنّ الإسلام قد قام على مبدأ البيعة والشّورى. وهي أساليب في الحكم لا تختلف عن أنظمة الحكم المعاصرة (خلاف ما يعتقد البعض) إلاّ شكلا لأنّ فيها التزاما بحرّية الفرد في الاختيار وفق الرؤية الشّاملة للمنظومة. ولعلّ أكبر مثال يمكن الاستدلال به أنّ الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلّم) لم يترك خليفة ولا أوصى بمن يخلفه حقيقة. ولذلك فإنّ منظومة الوراثة في الحكم هي منظومة متناقضة مع فكرة الإسلام الّذي يدعو في جوهره إلى الحرّية والمسؤولية انطلاقا من قوله تعالى في سورة الكهف:” من شاء منكم فليؤمن ومن شاء منكم فليكفر”. ومن هذا المنطق فإنّ الإسلام دين عالمي شامل يؤسّس لرؤية جديدة للإنسان قوامها الوحدة. ألم يشرّع الإسلام لدين واحد ولغة واحدة وسياسية اقتصادية وثقافية واحدة؟ ألم يدع رسولنا الكريم إلى التجارة العالمية ويشجع المسلمين على التّجارة في كلّ ربوع الكرة الأرضية؟ ألم يدعُ إلى توحيد وسائل المعاملات؟

        إزاء هذه الرؤية فإنّ الإسلام يتقاطع في مواضع كثيرة مع العولمة لعلّ أبرزها العالمية والشمولية أو بمعنى أدقّ توحيد المعاملات في مختلف المجالات. وإذا كان في الدين/ الإسلام سياسة أليس أيضا في الإسلام عولمة؟ ليس هذا تبرئة للعولمة أو اتّهام للإسلام أو العكس. وليس هذا من باب التشريع للعولمة. وليس هذا أيضا دفاعا عن العولمة. ولكن كلّ ذلك من باب الرؤية الجوهرية لمستقبل الإسلام والمسلمين، لأنّنا اليوم لا يمكن تجاهل العولمة باعتبارها واقعا  فمن هذا المنطلق لا يمكن التصدّي إليها بشكل يؤدّي إلى التصادم ولا يُمكن الانصهار فيها إلى حدّ الذوبان. وهو ما يطرح إشكالية كبرى في وضع عالمي يُنبئ بالتغيّرات في كلّ آن وحين.

        إنّ الرؤية الدقيقة، في نظري، هو إعادة جوهر الإسلام ليهيمن على العولمة لا تُهيمن هي عليه. ويكون ذلك في نشر جميع مناهجه اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا. هذه هي الطريقة المثلى في اعتقادي لمجابهة غزو العولمة اليوم.

        وبما أنّ العالم أصبح قرية وأنّ أدوات التواصل قد غزت العالم، يمكن أن نقدّم بدائل أخرى في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة يُبنى أساسا على فكرة جديدة منطلقها الإسلام وعلى أنقاض  التيارات الليبرالية والاشتراكية الّتي فشلت في تحقيق نموّ اقتصادي حقيقي يُحقّق إنسانية الإنسان. وبهذا نكون قد ضربنا العصفورين بحجر واحد. قدّمنا الإسلام على كونه دين تسامح وتطوّر مواكب لرهانات العصر من جهة ومن جهة أخرى وضعنا جدار ضدّ الغزو الجارف للعولمة تلك الّتي تسعى إلى تهديم كلّ فكرة مناقضة لها.

                                           منجي الأشعاب، أستاذ وباحث في اللّسانيات وتحليل الخطاب.